الثلاثاء، 27 يناير 2026

العالم أمام مرآته المكسورة/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

العالم أمام مرآته المكسورة



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

ثمّة لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى كثرة الشواهد بقدر ما تحتاج إلى شجاعة التفاعل؛ لحظات تتراكم فيها الوقائع حتى لا يعود الصمت حيادا، ولا اللغة التوصيفية موقفا.

هذا النص هو محاولة لوضع العالم في مكانه وأمام مرآته المكسورة.

العالم كما هو لا كما يرغب أن يُروى

إذا أردنا أن نقرأ المشهد العالمي قراءة واعية لا تخضع للتخدير السياسي ولا للمفردات المعلّبة التسويقية، فعلينا أن نضع الوقائع كلّها على الطاولة دفعة واحدة، دون انتقاء عصبي أو ترتيب انتهازي: فلسطين بشقّيها غزّة والضفة الغربية، السودان، اليمن، سوريا، لبنان، أوكرانيا، إيران. وفي مقابل هذه الجغرافيات المنكوبة تقف إسرائيل وروسيا كقوتين معتديتين واضحتين، فيما تتصدّر الولايات المتحدة المشهد بوصفها الشريك الأكبر في هندسة هذا العالم، لا كقوة ضابطة، بل بوصفها راعٍ فعلي لمنظومة العنف والحرب.

ثمّة لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى كثرة الشواهد بقدر ما تحتاج إلى شجاعة التفاعل؛ لحظات تتراكم فيها الوقائع حتى لا يعود الصمت حيادا، ولا اللغة التوصيفية موقفا.

ترويج الإبادة كسياسة

في هذا السياق، لا جدال في أن فلسطين تحتل الموقع الأثقل أخلاقياً وإنسانياً، ففي غزّة، لا نواجه كارثة طبيعية، بل جريمة مكتملة الأركان؛ إبادة جماعية تُدار بوعي كامل: قتل بالقصف والتجويع والحصار، وتجفيف للماء ومنع الدواء، وتعريض متعمّد للبرد القارس، وترك شعب بأكمله لمصير الفناء الممنهج.

أمّا الضفة الغربية، فهي الوجه الآخر للجريمة ذاتها؛ جريمة أقل ضجيجاً وأكثر مكراً، تقوم على القتل البطيء، وسلب الأرض ومحاولة لمحو الذاكرة تحت غطاء قانوني دولي. وفي الحالتين، لا يمكن فصل الفعل الإسرائيلي عن الشراكة الأمريكية، التي توفّر السلاح والشرعية السياسية.

ضحايا بلا غطاء سياسي

يأتي السودان في المرتبة التالية بوصفه دولة تُستنزف بالحرب عبر أذرع خارجية، في مقدّمتها دعم إماراتي واضح للميليشيات، بما يسرّع انهيار الدولة ويفتح الباب أمام الفوضى. ويجري كل ذلك تحت نظر العالم، لأن الدم السوداني لا يشكّل أولوية في حسابات المصالح.

وفي اليمن وسوريا ولبنان، يتواصل الاستهداف الإسرائيلي منذ سنوات، وقد تحوّل الإنسان هناك إلى رقم، والخراب إلى مشهد اعتيادي؛ مدن تُسوّى بالأرض وأجيال لا تُولد، فيما يقف النظام الدولي متفرّجاً، يُصدر بيانات القلق ويغلق ملفات المساءلة.

على الضفّة الأخرى، تبدو أوكرانيا مثالاً فاضحاً لازدواجية المعايير المقرفة؛ هناك، يتحرّك الضمير الغربي بسرعة وحسم: دعم مفتوح، خطابات مقرونة بعقوبات خانقة ضد روسيا بوصفها قوة معتدية.

هذا الموقف، من حيث المبدأ، ليس موضع اعتراض، إنما الفضيحة تكمن في غياب المعيار نفسه حين يكون المعتدي حليفاً، وحين تكون الضحية سمراء أو عربية.

من الشراكة في الإبادة إلى منطق الغلبة

غير أن الصورة لا تكتمل دون التوقّف عند السلوك الأمريكي العنجهي، والذي بات أكثر فجاجة وأقل دبلوماسية، فالولايات المتحدة، شريك إسرائيل الأول، لم تعد تُخفي نزعتها القسرية في التعامل مع العالم؛ من التهديد العلني لقادة دول في أمريكا اللاتينية، كما هو الحال باختطاف «نيكولاس مادورو»، في استعادة صريحة لزمن الانقلابات المُدارة من الخارج.

والأكثر دلالة هو ما يجري اليوم بشأن «غرينلاند»، فالرغبة الأمريكية في بسط السيطرة عليها لم تعد تُغلّف بخطاب التعاون أو الشراكة، بل تُطرح كحقّ قوة.

المثير هنا هو ردّة الفعل الأوروبية: خطاب ليّن، حذر، أقرب إلى التبرير منه إلى الرفض، وكأن العواصم الأوروبية وجدت نفسها أمام حقيقة مُرّة: الحليف الذي طالما بشّر بالقانون الدولي لا يتردّد في تجاوزه حين يتعارض مع أطماعه.

وهنا تتبدّى مفارقة أعمق، فالدول الأوروبية التي شاركت في شرعنة الظلم الواقع على الفلسطينيين، وقدّمته تحت مسمّى الشراكة والتحالف والدفاع عن النفس، تجد نفسها اليوم في مواجهة الظلم ذاته وقد ارتدّ عليها من حيث لا تحتسب، فالمنطق الذي سُوّغ به قتل الفلسطيني، هو نفسه المنطق الذي تُسوّغ به اليوم الهيمنة الأمريكية على أوروبا.

إنه ديدن السنن الكونية: الظلم لا وطن له، ومن يعتده أداة سياسية، سيتحوّل يوماً إلى ضحيته.

إيران نموذجاً

وإذا كان الظلم يُمارس صريحاً أو بالوكالة على الفلسطينيين والسودانيين ...الخ، فإن أوروبا وأمريكا يجسّدان اليوم نموذجاً فاضحاً من الكيل بمكيالين في إيران. فبينما تُلوّح واشنطن بتدخّل عسكري لحماية المدنيين، ويصدر خطابها على أنه دفاع عن حقوق الإنسان، تستمر في قتل المدنيين عبر الحروب بالوكالة في فلسطين والسودان واليمن ولبنان.

من غزّة إلى الخرطوم، ومن صنعاء إلى كييف، ومن بيروت إلى «كراكاس» وصولاً إلى غرينلاند وسوريا، تتكشّف صورة واحدة: عالم يُدار بمنطق الغلبة، تُعاد فيه صياغة الاحتلال بوصفه وصاية، وتُبرَّر الإبادة بوصفها دفاعاً، ويُطالَب الضحايا بالخنوع كي لا يوصفون بالإرهاب.

سنن الظلم والعدالة

إن ما يجري اليوم هو كشف صريح لمسار البشرية: الحق لا يُحتكر، والظلم لا يدوم؛ ومن يضعف أمام القهر اليوم سيكتشف غداً أن السنن التاريخية ثابتة: من يزرع العنف يجنيه، ومن يشتري القيم بالمصلحة يجد أن الحقيقة أقوى من كل التبريرات.

في النهاية، الزمن لا يرحم، والإنسانية لا تموت، مهما حاول القادرون على الأرض أن يطمسوها.

Ahmad.omari11@yahoo.de

الأربعاء، 14 يناير 2026

ضمّ الضفة الغربية الزاحف/أحمد سليمان العُمري


بسم الله الرحمن الرحيم

ضمّ الضفة الغربية الزاحف



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

لم تعد الضفة الغربية تُدار اليوم كمنطقة خاضعة لاحتلال قابل للتسوية، بل كفضاء يجري تفكيكه وإعادة تركيبه بما يخدم مشروع سيطرة طويلة الأمد.

فخلال السنوات الأخيرة، تسارعت إجراءات إسرائيلية متراكمة؛ من توسيع الاستيطان وتشريع وجوده، إلى تصعيد العنف المنظّم ضد السكان، والتحكّم بالمياه والحركة والموارد، بما يشير إلى انتقال هادئ لكنه مصيري من إدارة الاحتلال إلى حسمه ميدانياً. هذا التحول لا يُعلَن بقرار واحد، بل يُنفَّذ عبر سلسلة خطوات صغيرة، تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها تصب في اتجاه واحد: تثبيت الضفة الغربية كجزء خاضع للسيادة الإسرائيلية الفعلية، في ظل دعم أمريكي وصمت دولي متواطئ.

اليمين الإسرائيلي المتطرّف كثّف توظيف الخطاب الديني لتبرير مشروعه في الضفة الغربية، واصفاً إياها بـ «أرض الآباء والأنبياء». أهمية هذا الخطاب لا تكمن في بعده الرمزي فقط، بل في كونه يوفّر غطاءً أيديولوجياً لتحويل الاستيطان من سياسة حكومية قابلة للتبدل إلى «حق تاريخي» غير خاضع للتفاوض.

تصويت الكنيست على مشاريع قوانين تستهدف فرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، بالتوازي مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين يؤكدون إصرار تل أبيب على ضمّها، يعكس انتقال إسرائيل من منطق الاحتلال المؤقت إلى منطق السيادة الدائمة. هذا التحول يعني عملياً إعادة تعريف الضفة الغربية من «أرض فلسطينية» إلى «جزء من المجال السيادي الإسرائيلي»، في خرق صريح للقانون الدولي، لكن ضمن حسابات ترى أن غياب الردع الدولي يجعل كلفة الضّم أقل من كلفة التراجع.

الأيديولوجيا الدينية وتشريع السيطرة

اليمين الإسرائيلي المتطرّف كثّف توظيف الخطاب الديني لتبرير مشروعه في الضفة الغربية، واصفاً إياها بـ «أرض الآباء والأنبياء». أهمية هذا الخطاب لا تكمن في بعده الرمزي فقط، بل في كونه يوفّر غطاءً أيديولوجياً لتحويل الاستيطان من سياسة حكومية قابلة للتبدل إلى «حق تاريخي» غير خاضع للتفاوض.

ويعكس المزاج العام الإسرائيلي هذا التحول؛ إذ أظهرت استطلاعات رأي أُجريت مطلع عام 2025 أن غالبية الإسرائيليين يعارضون إقامة دولة فلسطينية، ويؤيدون فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة. هذا التحوّل الشعبي يفسّر جرأة الحكومات المتعاقبة، وأكثرها حكومة نتنياهو في الذهاب بعيداً في مشاريع الاستيطان والضّم، باعتبارها باتت منسجمة مع الرأي العام لا خارجة عنه.

استيطان متسارع وعنف ممنهج

تشير تقارير رسمية وحقوقية إلى أن المستوطنين سيطروا على مئات الآلاف من الدونمات الزراعية والرعوية في الضفة الغربية، عبر العنف وفرض الأمر الواقع، لا سيما في المناطق المصنفة (ج).

هذه السيطرة لا تهدف فقط إلى التوسّع الجغرافي، بل إلى تفكيك العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، وتحويل الوجود الفلسطيني إلى حالة مؤقتة قابلة للإزالة.

كما أقام المستوطنون أكثر من 70 بؤرة رعوية بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومنتصف عام 2025، وهي أداة استيطانية منخفضة الكلفة وسريعة التأثير، تُستخدم لإحكام السيطرة على مساحات واسعة دون الحاجة إلى قرارات رسمية معلنة.

هذه السيطرة لا تهدف فقط إلى التوسّع الجغرافي، بل إلى تفكيك العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، وتحويل الوجود الفلسطيني إلى حالة مؤقتة قابلة للإزالة.

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وثّقت كذلك نحو 450 حريقاً أشعلها المستوطنون، طالت في 70% من الحالات تجمعات بدوية وقرى فلسطينية. ووفق منظمات أممية، كان عام 2024 الأسوأ من حيث إرهاب وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، فيما لم يكن عام 2025 أفضل حالا.

هذه الأرقام لا تعكس فقط تصاعد العنف، بل تحوّله إلى سياسة ترهيب ونهج يهدف إلى التهجير بالاضطهاد بدل الطرد العلني.

أدوات خنق المجتمع

منظمة «أوتشا» وثّقت 71 اعتداءً نفّذها الاحتلال الإسرائيلي على مصادر المياه في الضفة الغربية مع دخول عام 2024، إضافة إلى 64 اعتداءً آخر خلال عام 2024 وحده. استهداف المياه هنا ليس من باب الصدفة بالتنكيل، إنما أداة استراتيجية لإخضاع السكان، إذ تتحول السيطرة على الموارد الحيوية إلى وسيلة لإعادة هندسة الجغرافيا الديموغرافية.

في موازاة ذلك، تُشكّل سياسة الاعتقال ركيزة أساسية في الضمّ الزاحف، فبحسب مؤسسات حقوقية فلسطينية، نفّذت قوات الاحتلال منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 21 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية، من بينهم 1955 طفلا و650 امرأة.

هذا الحجم من الاعتقالات لا يمكن فصله عن محاولة كسر المجتمع، وتفريغه من قدرته على التنظيم والمقاومة.

الضفة تحت الحصار المفتوح

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أكد أن زيادة الخسائر البشرية، إلى جانب تقييد الحركة والعمل، أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية في الضفة الغربية، حيث يعيش نحو 3.43 مليون فلسطيني. وفي هذا السياق، أفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأن إسرائيل نصبت 916 بوابة وحاجزا وجدارا في الضفة منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزّة، ما يحوّل الضفة إلى كانتونات معزولة، ويجعل أي مشروع للدولة الفلسطينية المستقبلية بلا معنى سيادي.

هذا التزامن يعكس رؤية إسرائيلية ترى في انشغال العالم بغزّة وزخم الأحداث فرصة لتصفية ملف الضفة بوتيرة متسارعة ومنظمة.

يترافق هذا المسار مع دعم أمريكي سياسي واضح وغير مشروط، بالتوازي مع حرب الإبادة التي يشُنّها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزّة، والتي أقرّت تقارير صادرة عن هيئات أممية بأنها إبادة جماعية.

هذا التزامن يعكس رؤية إسرائيلية ترى في انشغال العالم بغزّة وزخم الأحداث فرصة لتصفية ملف الضفة بوتيرة متسارعة ومنظمة.

مشروع استنزاف

ما يجري في الضفة الغربية هو مشروع ضمّ متكامل يُنفَّذ بالتدرّج، ويعتمد على استنزاف الزمن والإنسان معاّ.

في ظل هذا الواقع، لا يبدو أن الخطر يكمن في إفشال حل الدولتين فحسب، بل في تكريس نظام فصل عنصري طويل الأمد، تُدار فيه السيطرة لا عبر الاحتلال العسكري وحده، بل من خلال إعادة تشكيل الحياة نفسها.

Ahmad.omari11@yahoo.de

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

زيارة المستشار الألماني لإسرائيل تكشف البعد الأخلاقي/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

زيارة المستشار الألماني لإسرائيل تكشف البعد الأخلاقي


دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2025، قام المستشار الألماني «فريدريش ميرتس» بزيارة رسمية إلى إسرائيل، التقى الرئيس الإسرائيلي ورئيس الوزراء لمناقشة مسائل الأمن والسياسة الثنائية. هذه الزيارة لم تكن حدث بروتوكولي مُعتاد، بل تكشف عن تقاطعات سياسية وأخلاقية دقيقة تعكس دور ألمانيا في دعم إسرائيل سياسياً واستراتيجياً وعسكرياً، وما يترتب على ذلك من آثار آنية وغير آنية على المدنيين الفلسطينيين، الذين يشكّلون الطرف الأضعف في هذه الحرب غير المنتهية.

اعتراف بدور إسرائيل كأداة للقوة

قبل أشهر، صرّح «ميرتس» بأن إسرائيل تقوم بـ «العمل القذر نيابة عنّا»، وهو تصريح يوضّح طبيعة الدور المنوط بإسرائيل في السياسات الغربية، والذي يُقرّ بالسياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، والتي تشمل عمليات القتل بالجملة، وعنفا وقمعا يستهدفان المدنيين بدعم ضمني من ألمانيا وجلّ الدول الأوروبية والعالمية.

وفي اللقاء الذي جمع المستشار الألماني بالرئيس الإسرائيلي «إسحاق هرتزوغ» هذا الشهر، قال الرئيس الإسرائيلي لميرتس: «نحن نواجه إمبراطورية طهران الشريرة، وبالتالي فنحن نحمي أوروبا»، ولقد سبقه بنيامين نتنياهو بتصريح يحمل ذات القناعة، إبّان خطابه أمام الكنغرس الأمريكي: «نحن لا نحمي أنفسنا فقط، نحن نحميكم؛ أعداؤنا هم أعداؤكم؛ معركتنا هي معركتكم، وانتصارنا سيكون انتصاركم»، لتتضح الصورة بأن إسرائيل تعمل كامتداد أمني لأوروبا وأمريكا، فيما يتحمّل الفلسطينيون العبء الدموي للحرب الوحشية.

توسّع المستوطنات

يُقدّر عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية والقدس الشرقية حوالي 737 ألفا، موزعين على حوالي 170 مستوطنة رئيسية ومئات البؤر الاستيطانية الصغيرة، فيما صادقت الحكومة الإسرائيلية يوم الأربعاء الموافق 10 من الشهر الجاري على بناء 764 وحدة استيطانية جديدة بالضفة الغربية، ليصل عدد ما أقرّته حكومة بنيامين نتنياهو إلى 51،371 وحدة منذ نهاية عام 2022.

المفارقة الأخلاقية والدور العسكري الألماني

لقاء ميرتس مع نتنياهو يمثّل تأييداً ضمنياً وغطاءً لهذه الجرائم، ويشكّل جرحاً أخلاقياً كبيراً بحق الحكومة الألمانية والمبادئ التي تدعو إليها، حيث أن الدعم السياسي لرئيس وزراء دولة متهم بارتكاب جرائم حرب وصادر بحقّه مذكّرة اعتقال يُعتبر انتهاكاً للقيم الإنسانية بحد ذاتها قبل القانونية.

هذه المحادثات الثنائية تعكس واقعا عملياً، حيث أن ألمانيا تدعم شريكاً يمتلك القوة العسكرية والسياسية، في حين يخضع الفلسطينيون لقيود مستمرّة، وتتعرّض حياتهم وأمنهم للتهديد الدائم، فيما تحافظ إسرائيل على القدرة على توسيع مستوطناتها وفرض سياسات مناهضة لإقامة دولة فلسطينية مستقلّة.

لقاء ميرتس مع نتنياهو يمثّل تأييداً ضمنياً وغطاءً لهذه الجرائم، ويشكّل جرحاً أخلاقياً كبيراً بحق الحكومة الألمانية والمبادئ التي تدعو إليها، حيث أن الدعم السياسي لرئيس وزراء دولة متهم بارتكاب جرائم حرب وصادر بحقّه مذكّرة اعتقال يُعتبر انتهاكاً للقيم الإنسانية بحد ذاتها قبل القانونية.

من جهة أخرى، صادقت ألمانيا على تصدير أسلحة ومعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 485 مليون يورو، في الفترة من أكتوبر 2023 حتى مايو/أيّار 2025، ما يعكس استمرار الدعم العسكري الألماني الكامل لإسرائيل طوال الحرب.

يتجاوز الجانب السياسي البحت دور ألمانيا ليصل إلى البُعد العسكري والأمني، إذ قامت ألمانيا أيضاً بشراء منظومات دفاعية من إسرائيل ودول أوروبية أخرى سبق أن استُخدمت عملياً ضد المدنيين الفلسطينيين في غزّة.

الواقع الدولي

هذه العلاقة تُسلّط الضوء على التناقضات العميقة في السياسة الدولية، حيث تدعم ألمانيا شريكاً استراتيجياً من الناحية الأمنية، لكنها تصبح في الوقت نفسه شريكاً ضمنياً في حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، فاستخدام إسرائيل كأداة دفاعية لأوروبا - حسب تصريحات الطرفين - يعكس كيف يمكن للقوة السياسية والمادية إعادة تعريف الحقيقة والمعايير الأخلاقية حسب مصلحة آلة القمع العسكرية، بحيث تتحوّل الأغراض الاستراتيجية إلى غطاء لتجاوز المبادئ الإنسانية.

اللقاء الرسمي يُقدم مثالاً حياً على صعوبة الالتزام بالمعايير الأخلاقية الدولية في ظل التشابك بين استمرارية الاحتلال والأطماع الاستعمارية والاعتبارات الأمنية والسياسية، وتوضّح كيف يتم استخدام القوة لإعادة إنتاج الهيمنة على الرواية الأخلاقية والسياسية، بينما يبقى الفلسطينيون الطرف المستنزف والمُضطهد على إرضه.

نهاية الكلام

تصريحات «إسرائيل تقوم بالعمل القذر نيابة عنّا»، و«نحن نحمي أوروبا»، و «نحن نحميكم» بالإضافة إلى اللقاء مع نتنياهو، تؤكّد أن إسرائيل تعمل كأداة للقوة الأوروبية-الأمريكية، بينما يتحمّل الفلسطينيون التبعات الدموية والمأساوية للاحتلال الإسرائيلي والتحالفات الإسرائيلية-الغربية.

كل تصريحات فريدريش ميرتس وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين، تظهر بوضوح أن ألمانيا تدعم شريكاً يقوم بتنفيذ سياسات عسكرية وأمنية ضد الفلسطينيين، من احتلال، هو الأطول في العصر الحديث، مروراً بالتهجير الطوعي والقسري في الضفة الغربية والقطاع، فضلا عن حرب غزّة الدموية، وانتهاءً بعمليات النسف خارج الخط الأصفر لبناء «المنطقة الخضراء» وعزل الغزّيين في الخيام، وتركهم يُعانون القتل بالصواريخ والجوع والعطش والبرد القارس، حتى يُصار إلى واقع يجعل القضية والدولة الفلسطينية محصورة في رقعة مترامية الأطراف، مكونة من كنتونات غير مرتبطة جغرافيا، يُستحال إقامة دولة عليها.

تصريحات «إسرائيل تقوم بالعمل القذر نيابة عنّا»، و«نحن نحمي أوروبا»، و «نحن نحميكم» بالإضافة إلى اللقاء مع نتنياهو، تؤكّد أن إسرائيل تعمل كأداة للقوة الأوروبية-الأمريكية، بينما يتحمّل الفلسطينيون التبعات الدموية والمأساوية للاحتلال الإسرائيلي والتحالفات الإسرائيلية-الغربية.

هذا اللقاء كشف عن مفارقة أخلاقية وسياسية وإنسانية صارخة، أقل ما توصف بـ «النفاق القذر»، إذ أن الدعم الاستراتيجي لألمانيا يتحوّل إلى مسؤولية عن نتائج ملموسة على المدنيين والحق الفلسطيني، ويطرح تساؤلات حول حدود الأخلاق في السياسة الدولية، وقدرة الدول الكبرى على الموازنة بين مصالحها وحماية حقوق الإنسان في فلسطين.

Ahmad.omari11@yahoo.de

الأحد، 7 ديسمبر 2025

من يملك حق تعريف الإرهاب في النظام الدولي؟/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

ثمّة شعور ثقيل يلاحق كل من يحاول الكتابة عن فلسطين في زمن اختناق الحقيقة؛ شعور يشبه الوقوف أمام ميزان مائل، تُوزَن فيه الكلمات قبل أن تُوزَن القضايا.

يكتب المرء وهو يدرك أن اللغة نفسها أصبحت ساحة حرب، وأن كل مفردة قد تُعامل كجريمة إذا لامست ما تخشاه الدول التي ترفع راية الحقوق وهي تمارس نقيضها. لذلك نعيد صياغة الجملة عشر مرات، ونحذف ونعدّل وكأننا نعبر حقل ألغام لغويًّا؛ فالرقابة لا تأتي دائمًا بزيّ شرطي، بل في هيئة قوانين «تحمي الأمن» وتُعطّل الضمير.

يكتب المرء وهو يدرك أن اللغة نفسها أصبحت ساحة حرب، وأن كل مفردة قد تُعامل كجريمة إذا لامست ما تخشاه الدول التي ترفع راية الحقوق وهي تمارس نقيضها. لذلك نعيد صياغة الجملة عشر مرات، ونحذف ونعدّل وكأننا نعبر حقل ألغام لغويًّا؛ فالرقابة لا تأتي دائمًا بزيّ شرطي، بل في هيئة قوانين «تحمي الأمن» وتُعطّل الضمير.

وهكذا ينتهي الكاتب إلى نصّين: واحد مُهذَّب بما يكفي ليعبر بوابات النشر وشهادة حسن السيرة السلوك، وآخر يظل حبيساً في درجٍ أو حاسوب، لأنه يقول الحقيقة كاملة؛ غير مُجتزئة أو مضبوعة بالقضاء الموظّف. نسخٌ لا يُفرج عنها خوفًا من أن تتحوّل الكلمة إلى تهمة، أو الرأي إلى ملف ينتهي بالسجن أو سحب الجنسية.

 ومع ذلك يبقى الأمل أن يأتي يوم تُكتب فيه الحقيقة عارية صمّاء متجاوزة كل الحواجز العسكرية والدعاوي القضائية، ودون أن يبحث صاحبها عن مظلّة تحميه من سطوة قوى العنجهية.

ومن هذا التوتر بين الحقيقة والخوف، يتقدّم سؤال الإرهاب وروايته: من يملك حق تعريفه؟ ومن يملك سلطة تجريم مقاومة الضعفاء وشرعنة هيمنة الأقوياء؟ هنا تتقاطع أفكار عدد من المفكرين الألمان والعالميين، لتكشف مفارقة جوهرية تفتح باب هذا المقال.

القوة ومعضلة تسمية الإرهاب

لطالما شكّل سؤال الإرهاب وتوصيفه محوراً أساسياً في التفكير السياسي المعاصر، خصوصاً حين يرتبط بميزان قوى مختلّ بين طرفين غير متساويين. وقد عبّر عدد من المفكرين عن هذه الإشكالية بصيغ مكثّفة تختصر المفارقة الأخلاقية في تسمية الإرهاب.

يقول «يورغن تودنهوفر»: «الحرب هي إرهاب الأغنياء، والإرهاب حرب الفقراء»، بينما قال «بيتر أوستينوف» ذو الأصول اليهودية فكرة مشابهة: «الإرهاب حرب الضعفاء، والحرب إرهاب الأقوياء».

ومن زاوية تحليلية، يوضّح الباحث الألماني «هيرفريد مونكلر» أن الدولة قد تمارس ما يمكن وصفه بـ «إرهاب الدولة» حين تتجاوز حدود الشرعية أو تستخدم قوتها المفرطة بما يتجاز الضرورة. هنا لا تُعرَّف الأفعال انطلاقًا من طبيعتها، بل من موقع الفاعل داخل منظومة السلطة ومن قدرته على التحكّم بالرواية.

الإرهاب بين الرواية والشرعية

يتعمّق هذا النقاش حين نعود إلى قراءات مفكرين عالميين مثل «فرانز فانون» و«جان-بول سارتر»، اللذين درسا علاقة المستعمِر بالمستعمَر وكيف يفرض الأقوى تعريفه للإرهاب بوصفه «شرعياً»، بينما تُجرّم أشكال الدفاع عن النفس بوصفها «تطرّفًا». أما المفكر الأميركي اليهودي «نعوم تشومسكي» فيمدّ هذا الخطّ التحليلي ليقول إن الدولة الحديثة تمتلك من الأدوات الإعلامية والدبلوماسية ما يمكّنها من احتكار التصنيف الأخلاقي للإرهاب، بحيث يصبح واحداً حين يمارسه الضعفاء، وشيئاً آخر حين يمارسه الأقوياء.

وبذلك يتحوّل توصيف الفعل ذاته إلى ساحة صراع: ليس بين أفعال متباينة، بل بين روايات متنازعة على المعنى.

اختلال  القوة وسيطرت اللغة

حين ننقل هذا الإطار إلى الواقع العربي في الشرق الأوسط، في فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن والسودان، تتحوّل اللغة إلى أداة لتحديد من يسمّى إرهابياً ومن يُسمّى مُقاوما. إذ يُعاد تعريف القوة بأنها «دفاع»، ويُعاد تعريف المقاومة بأنها «إرهاب»، بينما تُهمّش كل محاولة لقراءة ميزان القوة بوصفه عنصراً مركزيا في فهم طبيعة الإرهاب. هذا التشويه في اللغة لا يعكس فقط اختلال القوة على الأرض، بل يعكس أيضاً اختلالًا في النظام الأخلاقي العالمي الذي يمنح الأقوى حق الرواية، ويترك الطرف الأضعف محاصراً بتهم مُعلّبة جاهزة للتداول.

هنا تتبدّى قيمة المقاربات التي طرحها «تودنهوفر»، «أوستينوف» و «مونكلر»: فالمسألة ليست توصيفاً أدبياً، بل تفسيراً سياسياً لاستراتيجية تُعيد صياغة المفردات كي تُبرر عنفاً وتقمع آخر.

جدلية الأخلاق والمعايير

يفتح هذا الجدل الباب أمام سؤال أخلاقي أوسع: هل يستطيع العالم إنتاج معيار واحد لتوصيف العنف، أم أن النظام الدولي سيظلّ مرهوناً لسياسة القوة التي تمنح الأقوياء امتياز إعادة تعريف كل شيء؟ من الحق إلى الأمن إلى الأخلاق.

كمثال معاصر على كيفية استخدام السلطة لتحديد معنى الإرهاب، قام ترامب عملياً بتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين ضمن المنظمات «الأرهابية»، فيما وصف نتنياهو الجماعة بطريقة تهدف إلى ترهيبها وممارسة الضغوط السياسية عليها، فضلا عن إغلاق مكاتبها ومنع نشاطها في جُلّ الدول العربية.

وهذا يظهر كيف أن الأقوى هو الذي يمتلك السلطة لتسمية الأشياء وفق مصالحه.

إن أصواتاً يهودية ومعرفية بارزة، مثل «تشومسكي» تذكّر بأن نقد سياسات حكومية لا يمت بصلة إلى أي عداء ديني أو ثقافي، بل إلى مبدأ كوني بسيط: لا يجوز أن يتحوّل القانون إلى غطاء، ولا أن تُختطف اللغة لتبرير سطوة من يمتلك القوة.

وبين رواية تملك السلاح والهيمنة غير المحدودة والغطاء السياسي بالنفوذ والأدوات الإعلامية التي تحترف تزييف الحقيقة وقلب المفاهيم لتمكين الحرب على الوعي الجمعي، ورواية لا تملك غير الأرض والألم وفجيعة في الصباح والمساء وانعدام النعم، وخيانة القريب والبعيد، يبقى السؤال معلّقاً حتى إشعار آخر: من يملك الحق في تسمية الحقيقة؟ ومن يملك الشجاعة لقولها؟

Ahmad.omari11@yahoo.de

 

الجمعة، 21 نوفمبر 2025

قرار مجلس الأمن بوصاية جديدة على غزّة وملامح انتداب/أحمد سليمان العُمري

 

بسم  الله الرحمن الرحيم

قرار مجلس الأمن بوصاية جديدة على غزّة وملامح انتداب



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

إن الآلية المطروحة في القرار الأميركي بشأن القوة الدولية لنزع السلاح في غزّة تمثّل امتداداً واضحاً لصيغة الوصاية التي عرفها الفلسطينيون في زمن الانتداب البريطاني، حتى وإن جرى تقديمها اليوم بغطاء «دولي» وبدعوى تثبيت الأمن.

فالمقترح يقوم على فكرة أن مستقبل غزّة يمكن إدارته عبر ترتيبات تُصاغ في واشنطن، وليس عبر إرادة الفلسطينيين، وكأن القطاع بحاجة إلى سلطة خارجية تمارس الوصاية عليه، وتحدد له شكل الأمن ونمط الإدارة وطبيعة الحوكمة. إن هذا الطرح يعيد إنتاج الهيمنة الدولية على القرار الفلسطيني، من خلال آلية أمنية مفروضة لا تختلف في جوهرها عن أنظمة الانتداب الاستعمارية.

تهميش الدور الفلسطيني

إن المشروع الأميركي يُهمّش الوجود الفلسطيني بشكل صريح ويجعله غير مرئي؛ إذ لا يمنح الفلسطينيين موقعاً قياديًا في تقرير مصير غزّة، ولا يعترف بسيادتهم على أرضهم، ولا يقدّم تصوراً يحترم ملكيتهم السياسية والجغرافية، وهم أصحاب الأرض وحق وتقرير المصير.

وهذا ما أكدته روسيا والصين في موقفهما الرافض داخل مجلس الأمن؛ إذ شدّدا على أن المقترح الأميركي يتجاهل الفلسطينيين، ويخفي حضورهم السياسي، ويعيد صياغة مستقبل القطاع دون تمثيلهم، الأمر الذي يشكّل انتهاكاً لمبدأ السيادة الوطنية ويحوّل القوة الدولية إلى أداة فوقية لا تحترم إرادة الشعب.

فصل غزّة عن الضفة الغربية

إن المشروع المطروح اليوم لا يعمل فقط على إقصاء الفلسطينيين سياسياً، بل يحمل خطراً مصيرياً يتمّثل في ترسيخ الفصل بين غزّة والضفة الغربية، فالضفة تشهد اليوم اقتطاعاً ممنهجاً لأراضيها وتقطيعاً جغرافياً متسارعاً بين مدنها وجميع مناطقها، حتى بات التواصل بين المدن والبلدات مهدداً إلى درجة خطيرة.

وتتزامن هذه التطورات مع وجود القوة الدولية في غزّة، ما يرسّخ الانطباع بأن المشروع الأميركي يهدف إلى إضعاف وحدة الدولة الفلسطينية المستقبلية على الأرض. فالاعتداءات الإسرائيلية من قبل الجيش والمستوطنين في الضفة دائمة وممنهجة، وتشمل الانتهاكات مصادرة أراضٍ واسعة وبناء مستوطنات لفصل شمال الضفة عن جنوبها.

كل هذا التراكم من الإجراءات، بالتزامن مع إدخال القوة الدولية إلى القطاع، يعكس رغبة في خلق كونتونات فلسطينية مفككة وغير متصلة جغرافياً، بحيث يصبح من الصعب إقامة دولة فلسطينية.

وإذا أضفنا إلى ذلك واقع الضفة الذي يتركّز اليوم في رام الله كأنها مركز الدولة الفلسطينية الوحيدة الممكنة، فإن الخطر يتضاعف: فالواقع الميداني يُظهر أن ما يُطرح كـ «حل سياسي» في غزّة، عملياً، يعزل القطاع ويضعه خارج أي سلطة وطنية متماسكة، ويجعل أي دولة فلسطينية مستقبلية مرهونة بالقرارات الدولية والهيمنة الإسرائيلية.

المناوارات الإسرائيلية

ورغم أن بعض الأصوات الإسرائيلية تعلن رفضها للقرار الأميركي، فإن هذا الرفض يجب قراءته في إطار المناورة السياسية لا في إطار الموقف المبدئي. فإسرائيل بمختلف تياراتها اعتادت تحويل أي خطوة دولية إلى ساحة للمزايدة الداخلية بهدف انتزاع مزيد من المكاسب، لا سيما عند التعامل مع الإدارة الأميركية.

ولهذا نجد تعدد الأصوات داخل إسرائيل ليس تعبيراً عن انقسام حول جوهر القرار، بل محاولة من كل طرف لزيادة أرباحه السياسية وتحسين موقعه التفاوضي في المرحلة المقبلة.

أما نتنياهو، فقد وصف القرار بأنه إنجاز كبير لإسرائيل، فهو يتماشى مع التصورات الإسرائيلية ويُعزز من اندماج إسرائيل بالمنطقة، ويسمح بالحديث عن مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية والتطبيع مع دول الجوار، حسب وصفه.

ولم يكتف بذلك، فقد قال في مقام آخر أن أمن إسرائيل سيبقى تحت سيطرتها الحصرية، في رسالة واضحة بأن القوة الدولية لن تكون قوة محايدة، بل قوة تُبنى وفق الرؤية الإسرائيلية لأمنها وحدود مصالحها.

الجدل في إسرائيل حول أي إشارة لمسار سياسي

ورغم الضجيج الذي تصدره بعض الأوساط اليمينية الإسرائيلية حول أن القرار الدولي يحمل لغة تتعلّق بحوار أو «مسار سياسي»، فإن هذا الاعتراض لا يعكس خشية حقيقية من قيام دولة فلسطينية، لأن الموقف الرسمي الذي عبّر عنه نتنياهو يشدد على أن معارضته لأي دولة فلسطينية لم تتغير.

أي إن الرفض الإسرائيلي هنا ليس دفاعاً عن أمن إسرائيل أو رفضاً للقرار بحد ذاته، بل جزء من لعبة سياسية داخلية تهدف إلى الضغط على واشنطن للحصول على المزيد من الامتيازات، مع ضمان ألّا يؤدي أي حديث دولي إلى أي تغيير فعلي في الوقائع على الأرض.

فلسطين بين الوصاية الدولية والمشروع الإسرائيلي

إن اللحظة الحالية تتطلب وعياً فلسطينياً عالياً بمخاطر المرحلة، فالقوة الدولية، وفق الصيغة الأميركية، قد تتحوّل إلى أداة لتكريس واقع جديد، يقف عند منتصف الطريق بين الاحتلال والإدارة الدولية، بينما يتحمّل الفلسطينيون وحدهم تبعات هذا الترتيب.

ومن هنا تأتي أهمية التحرّك السياسي والدبلوماسية الفلسطينية لاستعادة المبادرة، ورفض أي صيغة تُقصي الفلسطينيين من صنع القرار، والتمسّك بوحدة القطاع والضفة كشرط لا يمكن التنازل عنه. فالمعركة اليوم ليست فقط على غزّة، بل على مستقبل فلسطين برُمّته، وعلى قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وحدة جغرافيتهم وهويتهم ومشروعهم الوطني.

Ahmad.omari11@yahoo.de

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025

صوت ممداني يهزّ جدران واشنطن وتل أبيب/أحمد سليمان العُمري



فوز تاريخي يُعيد رسم وعي نيويورك ويُغيّر وجه السياسة الأمريكية تجاه فلسطين

دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

بينما كانت أنظار العالم تتجه نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية، كانت نيويورك هذه المرة تعدّ لثورة صامتة من نوع مختلف. ففي مدينة ظلت لقرون معقلاً للتبادل التجاري والثقافي، ها هي اليوم تشهد تحولاً في البنية السياسية العميقة.

إن فوز زهران ممداني بمنصب العمدة هو إعادة تشكيل للخريطة السياسية في إحدى أهم مدن العالم.

لكن هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فقد تراكم الغضب الشعبي خلال السنوات الأخيرة من سياسات إدارة ترامب التي عمّقت الانقسامات، وروّجت لخطابات عنصرية متطرّفة ضد المهاجرين والمسلمين والسود. ومع تصاعد تلك السياسات، بدأ وعيٌ جديد يتكوّن في المدن الكبرى، خاصة نيويورك، التي لطالما كانت مرآة التنوع الإنساني.

وفي الوقت ذاته، كان العالم يشهد انكشافاً غير مسبوق لـ حقيقة الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة التي تُمارس ضد الشعب الفلسطيني، وهو ما جعل السردية الفلسطينية تخرج من الهامش إلى مركز النقاش العالمي، مؤثّرة في ضمير الناخبين الأميركيين.

كان المشهد مميزاً ذلك المساء، حين وقف ممداني أمام أنصاره في قاعة مليئة بالبشر على اختلاف أعراقهم ومُعتقدهم. لم تكن تلك لحظة احتفال تقليدي، بل كانت تتويجاً لرحلة تحدّي استمرت سنوات، واجه خلالها ممداني أعتى الحملات التشويهية التي قدّمها تحالف غير مسبوق جمع بين أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واللوبي الصهيوني والحكومة الإسرائيلية.

الحقيقة في مواجهة المال والنفوذ

لقد شهدت الحملة الانتخابية هجوماً شرساً تم تمويله بملايين الدولارات من أجل تشويه صورة ممداني، فقط لأنه تجرّأ وتبنّى السردية الفلسطينية، ورفض الاستمرار في تزوير الحقائق التي تروّجها الإدارة الأمريكية الشريكة للحكومة الإسرائيلية.

لقد حاولوا تحويل دعمه للقضية الفلسطينية إلى تهمة، لكن ناخبي نيويورك اختاروا سماع الصوت الآخر، الصوت الذي يقول الحقيقة التي يرفض الكثيرون رؤيتها.

ولم يكن ذلك بمعزل عن تأثير المشهد العالمي، فصور الدمار في غزّة، والمجازر التي ما زال الجيش الإسرائيلي يرتكبها، والاحتجاجات التي عمّت الجامعات الأمريكية في الماضي القريب، كلها ساهمت في إعادة تشكيل الوعي العام في العالم. وفي مواجهة إرث الخطاب الترامبي المتطرّف، وجد الناخبون في ممداني ضالتهم للإنسانية والعدالة، لا سيما تجاه الفلسطينيين.

صراع بين سرديتين

ما يجعل هذه القصة أكثر إثارة هو أنها لم تكن مجرّد صراع بين مرشحين، بل كانت معركة بين سرديتين؛ من ناحية، السردية التقليدية التي ظلت مهيمنة لعقود، تقول إن نيويورك مدينة لا يمكن قيادتها إلا بمنطق القوة والمال والولاءات التقليدية واللوبيات الصهيونية، ومن ناحية أخرى، سردية جديدة تطرح نفسها بقوة، تقول إن السياسة يمكن أن تُبنى على أسس العدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني والمواقف المبدئية والحقيقة الصّمّاء.

لقد أدرك الناخب في نيويورك أن الصمت أمام العنصرية، سواء كانت محلية أو دولية، لم يعد ممكناً، فكما رفض إرث ترامب وخطابه الإقصائي، رفض أيضاً التواطؤ السياسي والإعلامي مع آلة الحرب الإسرائيلية. وهكذا التقت القضيتان: رفض العنصرية الداخلية ونصرة الحق الفلسطيني في وعي الناخب الأمريكي، لتشكلا القاعدة التي حملت ممداني إلى منصب عمدة نيويورك.

لعل أكثر ما يلفت النظر في هذه القصة هو توقيت حدوثها، ففي وقت تشهد فيه الولايات المتحدة انقساماً سياسياً حاداً، وتتصاعد فيه خطابات الكراهية والعنصرية، تخرج نيويورك بصوت مختلف؛ صوت يقول إن التعايش ممكن، وإن التنوع مصدر قوة، وإن القيم الإنسانية المشتركة يمكن أن تجمع ما تفرّقه السياسة وأن القضية الفلسطينية وصلت من شدة القتل بين الفلسطينيين إلى الشعوب العالمية وإلى أزقّة المدن لتُحدد من يدخل أروقة القرار السياسي في نيويورك.

بداية فصل جديد نحو الشرق الأوسط

القصة الكبرى هنا لا تتمثّل في حصول مسلم على منصب مهم، بل في تحوّل مجتمعي أعمق؛ إنها قصة مدينة تعيد اكتشاف هويتها، قصة جيل جديد يرفض أن يكون سجين الخيارات السلطوية بالتلقين، قصة مجتمع قرر أن يكون صوت الضمير الإنساني في زمن الصمت.

ومن هنا، فإن فوز زهران ممداني لا يمثّل فقط انتصاراً لنيويورك كمدينة متعددة الثقافات، بل هو أيضاً إشارة سياسية كبرى إلى أن طريق التغيير في الشرق الأوسط يبدأ من الداخل الأمريكي نفسه، فإذا تغيّر وعي المواطن الأمريكي ومعه القرار السياسي، وتبدّل اتجاه المدينة التي تتبنى الخريطة السياسة الدولية بما فيها مصير فلسطين، ستبدأ بالتحرّك نحو تعميق الحقيقة وإنهاء تسويق الولايات المتحدة لدور الاحتلال بالضحية.

لكن هذا الانقلاب لا تقف عند حدود المدينة التي تنام، فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط كما العالم كلّه، والقضية الفلسطينية تحديداً، أثبتا أن التغيير الحقيقي لا يأتي من التضحية الفلسطينية النضالية وحدها، فالولايات المتحدة هي البلد الذي يمسك بمفاتيح القرار الدولي، وما حدث في نيويورك اليوم ليس مجرّد فوز انتخابي محلي، بل بداية تغيّر القناعات في البنية العميقة للوعي الأمريكي تجاه فلسطين.

لقد أدت اعتصامات الطلاب في الجامعات الأمريكية، واحتجاجاتهم ضد تمويل آلة الحرب الإسرائيلية، إلى إعادة صياغة الخطاب العالمي حول العدالة والاحتلال والحرية. هذه الحركة الشبابية كانت المرآة التي عكست روح التغيير التي حملها ممداني في حملته الانتخابية، وربطت بين الضمير الأمريكي والحق الفلسطيني.

ومن هنا، فإن فوز زهران ممداني لا يمثّل فقط انتصاراً لنيويورك كمدينة متعددة الثقافات، بل هو أيضاً إشارة سياسية كبرى إلى أن طريق التغيير في الشرق الأوسط يبدأ من الداخل الأمريكي نفسه، فإذا تغيّر وعي المواطن الأمريكي ومعه القرار السياسي، وتبدّل اتجاه المدينة التي تتبنى الخريطة السياسة الدولية بما فيها مصير فلسطين، ستبدأ بالتحرّك نحو تعميق الحقيقة وإنهاء تسويق الولايات المتحدة لدور الاحتلال بالضحية.

Ahmad.omari11@yahoo.de

 

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

من حكم الانتداب إلى وصاية ترامب/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله  الرحمن الرحيم

من حكم الانتداب إلى وصاية ترامب




دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

في مأساة تختزل دموية الحرب الإسرائيلية في غزّة، شهدت واشنطن في 29 سبتمبر/أيلول 2025 لقاءً مصيرياً، جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أُعلن عن خطة السلام المكونة من 21 نقطة؛ دخلت حيّز التنفيذ 10 اكتوبر/تشرين الأول. هذا الإعلان يشكّل محاولة جذرية لإعادة صياغة المشهد السياسي في غّزة تحت غطاء أمريكي، في وقت يعتري الخطة غموض بنودها والضمانات المفقودة المرتبطة بتنفيذها.

عودة الاستعمار بأقنعة جديدة

تكشف الخطة عن تشكيل «مجلس السلام» الذي يقوده دونالد ترامب ويضم شخصيات دولية أبرزها «توني بلير»، وهو اختيار يحمل دلالات عميقة، فبلير هو تجسيد حي لمشاريع التدخّل الغربي الدموي في الشرق الأوسط؛ من العراق إلى فلسطين.

اختيار «بلير» يشير إلى نية إحياء نموذج الوصاية الاستعمارية ويلغي الإرادة الفلسطينية.

قرار ترامب بتعيين الأخير لإدارة قطاع غزّة يمثّل انتهاكاً صارخاً للشرعية الدولية، فهو قرار أحادي لم يُعرض على مجلس الأمن ولم ينل موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا النموذج يُذكّر بنظام الانتداب إبّان الحقبة الاستعمارية. والأخطر أن الإدارة التكنوقراطية التي سيرأسها «بلير» تمثّل التتويج للاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى فصل القطاع عن الضفة الغربية، مما يُقوّض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلّة.

هذا النهج يعيد إنتاج نفس العقلية الاستعمارية التي اعتبرت الشعوب غير قادرة على إدارة شؤونها.

الوساطة الدولية

رغم أهمية الوساطة القطرية - المصرية - التركية، إلّا أنها تبقى محكومة بمعادلات الهيمنة الأمريكية، التي تتحرّك في فضاء تضبعه الحسابات الأمريكية-الإسرائيلية، وتغيير نقاط خطة ترامب إسرائيليا بعد يوم واحد بموافقة ترامب، دون الرجوع إلى الشركاء العرب والمسلمين، فضلا عن شن جيش الاحتلال الإسرائيلي الأحد 19 اكتوبر/تشرين الأول، غارات جوية مكثّفة على مناطق متفرّقة من القطاع، في أكبر خرق للإتفاق، والذي شكّل إخفاقا وتهميشا للجهود الدبلوماسية للدول المشاركة.

وقد كشفت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية حقيقة خطة ترامب، ووصفتها بـ «الساذجة والخبيثة، وفيها دجل صريح»، مؤكّدة أن الضغط الأمريكي على نتنياهو «هراء» لإيهام الدول العربية بتوازن المقترح الأمريكي.

ويكشف تحليلٌ أعمق عن وجود هيئة إسرائيلية سرية تُدعى «مكتب إدارة ما بعد الحرب»، تعمل على إعداد بنود الخطة، مما يؤكّد أن ما يُسوَّق له «مبادرة سلام أمريكية» هي في الواقع مخطط إسرائيلي يُقدَّم بغلاف أمريكي.

الردود والتفاعلات

في قراءة للمشهد الدبلوماسي المصاحب للإعلان، يُلاحظ أن ترحيب الدول العربية والإسلامية التي حضرت «خطة ترامب»، الذي يعكس تحولاً في الاستراتيجية الدبلوماسية العربية والإسلامية.

لكن هذا الترحيب لا يخلو من مفارقات، خاصة عندما يقترن بتصريح نتنياهو الذي يحاول تصوير الأمر كأن «العالم العربي والإسلامي يضغط على حماس لقبول الشروط الإسرائيلية». هذه القراءة التبسيطية تخفي تعقيدات الموقف الإقليمي وتنوع التوجهات بين الدول العربية. وهنا تبرز مخاوف جدية من أن تكون هذه الخطة فخاً يستهدف إنهاء القضية الفلسطينية، حيث تفتقر إلى أي ضمانات حقيقية تمنع إسرائيل من استئناف حرب الإبادة الجماعية بعد أن استعادت أسراها وتقريباً جميع الجثامين.

كما أن دخول القوة المسماة بـ «قوة الاستقرار الدولية» إلى غزّة والتي تقود تشكيلها الولايات المتحدة، ستكون أداة غير رسمية بيد الحكومة الإسرائيلية. وتضم القوة نحو 200 عنصراً أمريكياً، بمشاركة ضباط من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ودعم من دول عربية مثل مصر وقطر والإمارات وتركيا، كما تجري مناقشات لانضمام باكستان وإندونيسيا وأستراليا وكندا وماليزيا.

معالم البديل المقبول

في تحليل البديل الحقيقي، نجد أن أي حل دائم يجب أن ينطلق من معادلة مختلفة تماماً، حيث تكون السيادة الفلسطينية هي الأساس لا الهدف. فالمشكلة الجوهرية في كل الخطط أنها تتعامل مع الحقوق الفلسطينية كتنازلات يمكن منحها أو منعها، وليس كأسس غير قابلة للتصرّف.

لا يمكن اختزال الإبادة الجماعية بالقطاع في معاناة إنسانية تتطلّب إغاثة عاجلة، فذلك يشكّل تغييباً متعمداً للسبب الجذري للعدوان الإسرائيلي، كما أن أي تسوية دائمة يجب أن تقوم على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مع ضمانات دولية حقيقية لتنفيذها.

سلام على وقع القذائف

في الختام، تظهر الخطة الجديدة كمحاولة لفرض واقع جديد عبر دبلوماسية القوى، متجاهلة الدرس الأساسي من تاريخ الاحتلال: أن السلام الحقيقي لا يُفرض من الخارج، ولا يمكن أن يبنى على أنقاض العدالة.

إن السلام الحقيقي ينبع من إرادة الشعوب واحترام حقوقها، وليس بالأسلحة الفتاكة؛ تُدار من قاعات المؤتمرات الفاخرة. والمفارقة المأساوية التي تجسّد جوهر الأزمة تكمن في أن مؤتمر السلام الذي انعقد في واشنطن، وبعده في شرم الشيخ، كانت خلاله الطائرات الحربية الإسرائيلية تواصل قصفها على غزّة.

ويكفي للتعبير عن فداحة الكارثة أن إسرائيل، وإن فشلت في تحقيق التطهير العرقي الكامل لغزّة، فإنها دمرتها تدميراً شاملاً، وكان ينبغي أن تُجبر على دفع تعويضات عن الدمار اللإإنساني الذي تسببت فيه، بدلاً من الدول النفطية العربية التي اقترحها ترامب.

إن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق والبقاء، وبرغم كل المعاناة أثبت عبر التاريخ أنه قادر للذود عن نفسه رغم إعراض العالم عنه، وأن إرادة الحياة لديه ستبقى هي الأقوى من كل محاولات الإخضاع والإقصاء.

Ahmad.omari11@yahoo.de

 

 

Back to top ↑

كلمات من العمري

في بداية خطابي أشكر زائريّ ممن بحث عني بأسمي أو دخل منزلي صدفة فراق له البقاء. وجزيل شكري لكل أصدقائي وأحبتي ممن يعملوا في الخفاء لنشر كلماتي دون تقديم أشخاصهم، إيمانهم بها أو بي وإن زل قلمي حيناً يقينهم إذعانَ قلبي وعقلي لها. لقد ترددت كثيرا قبل أن أفتح هذا الباب الذي عمل عليه صديقي الأستاذ أنس عمرو وصديقي الدكتور ضياء الزعبي - جزاه الله كل الخير- ولم يتركني حتى كَمُل على وجه رضيناه للأخوة القراء الكرام ... المزيد
كن على تواصل واتصال معنا

© 2018 أحمد سليمان العمري.
Design By: Hebron Portal - Anas Amro .