الثلاثاء، 16 يونيو 2026

لبنان في ساحة الحرب المفتوحة/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لبنان في ساحة الحرب المفتوحة

أحمد سليمان العُمري

يبدو الشرق الأوسط اليوم أمام مشهد سياسي لا يمكن التعامل معه بشكل مُنفصل، بل كقضية إقليمية واحدة، بدأ من اشتباك مُركّب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومن ثم توزّع عبر الجغرافيا السياسية للمنطقة، بحيث لم تعد ساحة المواجهة محصورة بين أطراف الحرب، بل أخذت تتّسع حتى استقر جزء أساسي من نتائجها في لبنان، الذي بات يُشكّل اليوم الساحة الأكثر تضرراً جرّاء الحرب الإسرائيلية.

لبنان كنتاج حرب إقليمية

وإذا كانت المواجهة قد بدأت خارج لبنان، فإن نتائجها الأكثر وضوحاً تستقر اليوم على أرضه، في حين أن الدولة اللبنانية لا تتحرّك من موقع يمتلك أوراق ضغط حقيقية بقدر ما تسعى إلى خفض التصعيد ووقف إطلاق النار، على أمل البناء على ذلك في مرحلة لاحقة. ولهذا السبب يُنظر إلى الاتفاق المطروح باعتباره فرصة لالتقاط الأنفاس أكثر من كونه تسوية نهائية.

وفي الوقت نفسه لا تخفي إسرائيل رغبتها في فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجنوب، تقوم على فكرة المنطقة العازلة ومنع عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

وفي هذا الإطار تحديداً تطفو على السطح مطالبة حزب الله بالانسحاب من جنوب نهر الليطاني دون انسحاب موازٍ للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، ليغدو الانسحاب في جوهره التفافاً على المقاومة اللبنانية، لأنها تطلب من حزب الله الانسحاب وتعيد إنتاج اختلال ميزان القوة ببقاء الجيش الإسرائيلي في الجنوب.

 لذلك فإن أي معالجة واقعية ومنطقية لعملية الانسحاب يجب أن تُطرح ضمن منطق مشروطية متبادلة، بحيث يكون انسحاب حزب الله من جنوب نهر الليطاني مقروناً بانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، باعتبار أن الفصل بين المسارين سيكون بمثابة انتحار للمقاومة اللبنانية.

ويعكس الجدل اللبناني الداخلي حجم التباين في تفسير أسباب استمرار الحرب في الجنوب وطبيعة ارتباطه بالتطورات الإقليمية الأوسع. وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن على إيران «أن ترحم جنوبنا وأن تتوقّف عن التعامل معه ومع أهله كورقة لتحسين شروط مفاوضاتها».

ويكشف هذا التوصيف حجم الترابط بين الملفّين، وصعوبة الفصل بين ما يجري في جنوب لبنان وبين المحادثات الإيرانية - الأمريكية. غير أن الدور الأمريكي لا يبدو متجانساً بالكامل بهذا الربط، خصوصاً مع ما شهده الكونغرس من تصويت يهدف إلى الحد من توسّع العمليات العسكرية، وما رافق ذلك من توتر داخل الإدارة الأمريكية، في ظل اختلاف في تقدير حدود التصعيد وأدواته.

إيران وأمريكا وإدارة الوقت السياسي

إيران تنظر إلى لبنان باعتباره جزءاً من منظومة إقليمية واحدة لا تتجزّأ؛ تبدأ من اشتباك طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتمتد لاحقا إلى ساحات أخرى أهمها لبنان، إذ لا تفصل طهران الساحات بل تنظر إليها كوحدة مترابطة.

لذلك لا يُقرأ لبنان كملفّ مُنفصل في الحسابات الإيرانية، بل كجزء من منظومة ضغط أوسع ترتبط بمسار التفاوض الإقليمي، وهو ما يفسّر في جانب منه رفض طهران التعامل مع إنهاء الحرب على لبنان بوصفه ملفّا مُنفصلاً عن التفاهمات الأوسع المتعلّقة بالأمن الإقليمي.

ويأتي هذا التفاوض بين طهران وواشنطن في صيغة غير مباشرة حتى الآن، تقوم على تبادل الرسائل عبر وسطاء. ورغم الأجواء التفاؤلية التي يحرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إظهارها بين الحين والآخر، فإن المسار الفعلي يبدو أبطأ بكثير مما توحي به التصريحات السياسية. فالولايات المتحدة تركّز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما تتمسّك إيران برفع العقوبات واستعادة الأموال المجمّدة، إلى جانب الحصول على ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.

ولا يتوقف الخلاف عند هذا الحد، إذ تُبدي إيران تحفّظاً شديداً تجاه التفاصيل الدقيقة للمقترحات الأمريكية، وتتعامل معها بدرجة عالية من الحذر، انطلاقاً من مخاوف مرتبطة بإمكانية عدم تنفيذ الالتزامات أو التراجع عنها لاحقاً. ولذلك فإن النقاش لا يقتصر على حجم الأموال المجمّدة، بل يمتد إلى طبيعة الضمانات وآليات التنفيذ والقيود المحتملة على استخدام تلك الأموال.

ومن هنا يمكن فهم ميل طهران إلى ترحيل الملف النووي نفسه إلى مراحل لاحقة، والتركيز في البداية على إجراءات اقتصادية وأمنية تمهّد لبناء حد أدنى من الثقة. إلّا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الثقة نفسها ما تزال شبه معدومة بين الطرفين، وهو ما جعل المفاوضات تبدو أقرب إلى إدارة إجراءات أولية منها إلى تفاوض سياسي مكتمل.

يعود مضيق هرمز إلى واجهة الحسابات الإقليمية باعتباره أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجي، حيث تصر إيران على أن أمن المضيق وإدارته جزء من أمنها القومي، فيما تنظر إليه الولايات المتحدة والقوى الدولية باعتباره ممراً حيوياً للتجارة والطاقة العالمية.

ويتضح أن ما يجري دائرة واحدة بدأت من اشتباك إقليمي مُركّب، ثم أعادت توزيع نفسها لتستقر نتائجها في لبنان كساحة حرب رئيسية، بينما تبقى إيران طرفاً تفاوضياً مركزياً، وتتولّى الولايات المتحدة إدارة التصعيد أو احتوائه، في حين تحتل إسرائيل الجنوب اللبناني بدعم أمريكي غير مشروط.

وفي ظل هذا الواقع لا تتجه لبنان نحو تسوية نهائية، ولا تتقدم المفاوضات الإيرانية - الأمريكية، بل تبقى ضمن تفاهمات تحاول ربط الجبهات في حين تسعى الأخرى لفصلها، وإن يبدو في الأفق حديث حول تسوية أمريكية - إيرانية، غير أن تصريحات ترامب تتبدّل وتتغيّر بين مزاج الصباح وتصعيد المساء.

Ahmad.omari11@yahoo.de

الجمعة، 24 أبريل 2026

هوّة الحوار العربي والتنفيذ الإسرائيلي/أحمد سليمان العُمري

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم


هوّة الحوار العربي والتنفيذ الإسرائيلي



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

في قراءة للمشهد الإقليمي والدولي حول العلاقة مع إسرائيل ومحاولة اختزالها في مسار واحد؛ المسار السياسي الذي جُرّب عربياً عبر اتفاقيات السلام، مثل اتفاقية «كامب ديفيد» مرورا بـ «أوسلو» وانتهاء باتفاقية وادي عربة، وآخر هذه المحاولات كانت مُبادرة السلام العربية.

هذه المساعي السياسية مُجتمعة لم يتمخّض عنها أي توازن فعلي، لا بل استثمرتها إسرائيل في مضاعفة بناء المستوطنات وقضم الأراضي الفلسطينية وتفاقم انتهاكات المستوطنين والاعدامات الميدانية بحق سكّان الضفة الغربية بحماية الجيش الإسرائيلي، فضلا عن تهجير قرى فلسطينيين وهدم منازله.

أمّا المسار العسكري بين الدول العربية وإسرائيل لم يكن واقعيا كخيار ردع مثل حرب الـ 1967 أو 1973، ويعود هذا إلى حالة التشرذم العربية والاصطفاف الأمريكي - الإسرائيلي.


إخفاق المسارات التقليدية

إذن المسار السياسي أثبت فشله، والمسار العسكري بظل واقع التمزّق العربي وغياب قرار جماعي وانحياز أمريكي وتباين دول شمال إفريقيا عن الفعل العسكري، تبقى الخيارات وكأنها محصورة بمسار ثالث يتمثّل في العمل على «الجبهة الداخلية» حسب ما أشار إليه وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشّر في حديثه الأخير على قناة الجزيرة، بوصفه مدخلا لإعادة بناء الفعل السياسي من الداخل. ويقوم هذا التصور على استيعاب التعدد، وتعزيز المؤسسات، وفتح المجال أمام مشاريع سياسية واجتماعية مختلفة، بدل اختزال المجال العام في نمط واحد، حسب تصور مروان المعشّر.

غير أن الإشكال الجوهري في هذا الطرح لا يكمن في مضمونه النظري، بل في توقيته وموقعه من الفعل السياسي نفسه، فبينما ما يزال الحديث عن خلق حوارات في الجبهة الداخلية عربياً وتوسيع المشاركة السياسية، وقبول التعدد، بل وحتى الحديث عن اتحادات إقليمية على غرار الاتحاد الأوروبي أو تفعيل صيغ قائمة كالتكتلات الخليجية والمغاربية، فإن هذا كُلّه يبقى في طور التداول الفكري والسياسي أو الشكلي.

في المقابل، فإن إسرائيل تجاوزت المرحلة النظرية منذ قرابة نصف قرن، أي ما بعد المؤتمر الصهيوني الذي أقيم في «بازل» وتدرّجه إلى الطور التنفيذي حتى تسنّى له إقامة الدولة الإسرائيلية، ومنذ ذلك الحين والاحتلال يُفاقم عمليات فرض الوقائع في الجغرافيا والديموغرافيا والبنية الأمنية بالقتل والتنكيل.

والمراقب يرى أن حرب الإبادة في قطاع غزّة هو امتداد بديهي تمهيدي - وليست صدفة - لما سبقها من حروب على القطاع، بما في ذلك استهداف البنية العمرانية على نطاق واسع وعمليات نسف مُمنهجة، إلى جانب استمرار القتل بوتيرة عالية وحصار مُطبق خانق.

والضفة الغربية أصبحت مُستباحة كُلّيا؛ قضم الأراضي وتسارع بناء وتوسيع المستوطنات، كما يرافق ذلك تصاعد في اعتداءات المستوطنين على السكان الفلسطينيين، إضافة إلى حالات تهجير موضعي لبعض القرى والتجمعات في أطراف الضفة، بما يجعل أي مبادرة سياسية خالية من الردع والعقوبات مدعاة للسخرية.

ومن هذا المنظور يُطرح تصور أوسع لإمكانية بناء إطار عربي تكاملي أكثر فاعلية، يتجاوز الأطر الشكلية القائمة في بعض الاتحادات الإقليمية، ويقترب من نموذج «دفاع عربي أو عربي - إسلامي مُشترك» قادر على إنتاج قرار فاعل.


الفجوة بين الحوار والتنفيذ

غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع سياسي داخلي كلٌ له حساباته وتحالفاته الخاصّة، وبغياب إرادة جامعة قادرة على تحويل التنسيق إلى منظومة فعل حقيقية، لا مجرد لقاءات بروتوكولية، يبقى الحال على ما هو عليه، بينما تتابع إسرائيل انفرادها بالدولة العربية كلٌ على حدة، ولبنان الآن وسوريا مثال جاثم على الواقع العربي الحزين.


لقد أصبحت إسرائيل ماردا يتعامل بغطرسة ويُهدد دول المنطقة بالتوسّع الصريح، ولن يكبح جماحه إلّا التحالف المأمول.


وفي السياق الدولي تشير استطلاعات رأي أمريكية متعددة، من بينها استطلاعات في جامعة «كوينيبياك» وغيرها، إلى تزايد نسبة الأمريكيين المتحفّظين على الدعم غير المشروط لإسرائيل، لتقترب في بعض التقديرات من حدود 60%. كما أن داخل الكونغرس الأمريكي، خصوصا في الحزب الديمقراطي، تظهر محاولات متزايدة لتقييد بعض صفقات السلاح، مقابل استمرار دعم شبه كامل داخل الحزب الجمهوري، ما يعكس اتساع فجوة داخل القرار الأمريكي بين المزاج العام والمؤسسة السياسية.

ورغم ذلك فإن هذه التحولات لا يمكن عكسها على السياسة الرسمية الأمريكية، ما يُظهر الشرخ بين المجتمع والدولة، ويجعل القرار السياسي أبطأ من التحول الاجتماعي.

الصورة لا تبدو كجبهتين لمشاريع مكتملة؛ عربية وإسرائيلية، بل هناك هوّة كبيرة تفصل الدول العربية خالية المشروع، وما تزال في طور إعادة بناء الداخل أو إدارة التوازنات الخارجية «نظريّاً»، فإيران تتحرّك ضمن فراغات في بعض دول الإقليم، والاحتلال يعمل بمنطق«كل مين إيده إله» - ولا أضع إسرائيل وإيران في كفّة واحدة، حتى وإن جمعهما نصّ واحد، فهذه دولة إسلامية تدافع عن سيادتها، وتلك إحتلال غاصب - يُنفّذ ينفرد بدول المنطقة، بينما تبقى الولايات المتحدة الإطار المرجعي الداعم لإسرائيل دون قيد أو شرط، رغم التحولات المتزايدة في الرأي العام.

الإشكال لا يكمن في تعدد الفاعلين بقدر ما يكمن في الفجوة الزمنية بين أنماط الفعل؛ النمط العربي يراهن على بناء داخلي، ما يزال في طور النقاش النظري، ونمط إسرائيلي يقوم على تراكم وقائعي مُتسارع منذ قرابة خمسة عقود.

وهنا تصبح «الجبهة الداخلية» شرطاً ضرورياً لكنها مُتاخّرة، ما لم تتحوّل إلى جسر فعلي بين البناء الداخلي وإنتاج أثر على القرارات الإسرائيلية تجاه فلسطين ولبنان وسوريا واليمن ودول المنطقة، وإلّا بقي ضبط الإيقاع في يد غلاة مُتطرّفين أمثال «بن غفير» و «سموتريتش»؛ عصابة بمسمّى حكومة، يرأسها مُجرم حرب يسوق المنطقة برُمّتها إلى النار والدمار.

Ahmad.omari11@yahoo.de


الأربعاء، 15 أبريل 2026

هدنة مؤقّتة وتفاقم الحرب في لبنان/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم


هدنة مؤقّتة وتفاقم الحرب في لبنان



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

ليست المسألة في ظاهرها اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بقدر ما هي توضيح للغطرسة الإسرائيلية في الإقليم بإدارة الحرب، ومن يوظّفها ومن يدفع ثمنها.

ما جرى بين الطرفين ليس اتفاقاً لوقف النار بالمعنى الكلاسيكي، بل هو أقرب إلى «تفاهم مؤقّت» شفهي، وُلد تحت ضغط كانت المنطقة على حافة انفجار كبير.

قبل منتصف الليل بساعات، كانت التهديدات الأمريكية بضربة غير مسبوقة لإيران تملأ المشهد، ثم فجأة جاء الإعلان عن هدنة لأسبوعين. هذه القفزة من حافة حرب مُدمّرة إلى هدنة أتت على عجل لا تعني أن الصراع انتهى، بل تأجيله مع ما أُجّل الخلاف حوله، لأن ما هو مؤجّل غالباً أخطر مما هو مُعلن.

حين تتحوّل الهدنة إلى نار

إذا كان الاتفاق قد أوقف الحرب بين واشنطن وطهران، فإنه عملياً فتح باباً آخر أكثر دموية في لبنان، فبعد ساعات فقط من إعلان الهدنة، شهدت الساحة اللبنانية قصفاً إسرائيلياً مُكثّفاً بكم هائل من المتفجرات، أسفر عن مئات الضحايا وإصابات تجاوزت حاجز الألف، تُقابلها منظومة صحيّة عاجزة عن استيعاب حجم الكارثة، تماماً كالأنظمة العربية التي تنصّلت من مسؤوليتها تجاه لبنان.

وعلى مستوى أوسع، فإن ما جرى يمثّل تصعيداً غير مسبوق في طبيعته وكثافته؛ حيث نُفّذت مئة غارة خلال عشر دقائق فقط، وفي توقيت الذروة تحديداً، مستهدفة مناطق مدنية وبنايات مأهولة بالسكان، من الجنوب إلى البقاع، مروراً ببيروت وجبل لبنان. وهذا التوقيت مع طبيعة الأهداف يُفسّر العدد المرتفع من الضحايا، إذ لم يكن القصف موجهاً إلى فراغ جغرافي، بل إلى قلب الكثافة السكانية، وقد وُصفت هذه الهجمات بالأعنف منذ اجتياح عام 1982، متجاوزة ما شهدته بيروت خلال حرب 2006.

الاثخان الإسرائيلي في لبنان لا يمكن فصله عن طبيعة الاتفاق الإيراني - الأمريكي، فعدم الوضوح الذي يعتري بنوده، خاصة فيما يتعلّق بشمول الجبهات، أتاح لإسرائيل أن تتصرّف وكأن لبنان خارج أي التزام. في المقابل تحدّثت إيران ومعها الوسيط الباكستاني عن شمول لبنان ضمن التهدئة.

وبين الروايتين لم يكن الحكم للاتفاق الشفهي، بل للوقائع الميدانية التي أكّدت أن «فصل الجبهات» قرار فرضته الإدارة الأمريكية بالقوة، بعد تصريح رسمي أتى بعد الغارات الإسرائيلية.

وهكذا أُنجزت الهدنة في مكان وتحوّلت إلى حرب في مكان آخر، ليُصبح لبنان ساحة تعويض عن جبهة جرى تجميدها مؤقّتاً. ومن الجدير بالذكر هنا توضيح رغبة إسرائيل بعدم الاكتفاء بالتصعيد العسكري، بل الرفض لأي حديث عن انسحاب من الشريط الحدودي اللبناني، بما يعني أنها تسعى إلى تثبيت واقع ميداني طويل الأمد بهدف إبقاء الضغط قائماً، ومنع عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل التصعيد.

وهذه ليست سابقة، بل نمط إسرائيلي مُتكرر، حيث تُنقل الحرب من ساحة إلى أخرى وفق نهج توسّعي لا علاقة له بالاعتبارات الإنسانية وسيادة الدول التي تنتهكها.

سياسة الدولة وحدود الوكالة

من قلب الدمار يُنتشل السؤال من بين الركام: ماذا عن لبنان؟ هل يمكن لإيران أن تُبقي على اتفاق مع الولايات المتحدة، في وقت يتعرّض فيه حليفها لضربات بهذا الحجم؟ الإجابة، كما توحي بها الوقائع، تكمن في التمييز بين منطق «الدولة» ومنطق «الوكيل»، فالدولة تفاوض وفق حسابات أوسع، تتعلّق بموقعها الإقليمي ومصالحها الاستراتيجية، بينما يتحمّل الوكيل كلفة المواجهة المُبرحة.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن الأهداف الأمريكية - الإسرائيلية المعلنة من الحرب على إيران لم تتحقق، فلا المنظومة الصاروخية الباليستية الإيرانية جرى تفكيكها، ولا تم إجبار طهران على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب. ما يعني أن الذهاب إلى التهدئة لم يكن نتيجة إنجاز حاسم، بل نتيجة عجز عن تحقيق الأهداف، ما يمنح إيران هامشاً أوسع للمناورة السياسية دون أن تقدم تنازلات جوهرية بما يُمكّنها من رفض فصل الجبهات مع سلوك يتعايش مرحليّاً مع اتفاق وقف إطلاق النار.

حرب بلا أفق سياسي

على الضفة الأخرى تبدو إسرائيل وكأنها الطرف الأقل اهتماماً بالتهدئة، هذا لأن التصعيد في لبنان محاولة لفرض معادلة ميدانية جديدة، تُبقي زمام المبادرة بيدها، وتمنع تثبيت أي توازن لا تكون جزءاً رئيساً منه.

غير أن اللافت في السلوك الإسرائيلي اليوم، هو غياب الأفق السياسي للحرب، ففي مراحل سابقة، كانت العمليات العسكرية مرتبطة بهدف يمكن تعريفه أو التفاوض عليه لاحقاً، أما اليوم فتبدو الحرب وكأنها مستمرة لذاتها، من دون نهاية واضحة أو مشروع سياسي يُترجم نتائجها.

وهنا يتداخل البعد الاستراتيجي مع العامل الشخصي، حيث بات مرتبطاً بمصير بنيامين نتنياهو ومستقبل حكومته الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، إذ إن توقفها قد يفتح الباب أمام مساءلات قانونية داخلية، تجعل من إدامتها ضرورة شخصية بقدر ما هي سياسية عسكرية.

وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل طبيعة العلاقة بين نتنياهو ودونالد ترامب، فالأول يرفض ربط الجبهات ضمن إطار التهدئة بما يقيّد حريته في لبنان، ويدفع باتجاه فصلها ميدانياً، لكنه يسعى في المقابل إلى ربط الساحة اللبنانية بالملف الإيراني سياسياً، بما يعيد خلط الأوراق ويمنع تثبيت أي تهدئة جزئية. كما أن رفض إسرائيل لأي انسحاب من الشريط الحدودي اللبناني ينسجم مع هذا التوجه.

في المحصلة يتبيّن أن الاتفاق الإيراني - الأمريكي هو إعادة توزيع للضغط داخل الإقليم؛ هدنة في جبهة، مقابل اشتعال أخرى؛ أهداف كبرى لم تتحقق، لكنها لم تُسقط من الحساب، وسياسة تُبرم في العواصم وحروب شرسة يدور رحاها عند الوكلاء.

ويبقى لبنان المثال الجاثم على حوارات هو خارجها، لكنه في قلب المعركة.

Ahmad.omari11@yahoo.de

الجمعة، 27 مارس 2026

اختبار التحالفات في مواجهة إيران/أحمد سليمان العُمري

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم




قراءة في الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية

دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

لا يمكن فهم أي هجوم أمريكي - إسرائيلي على إيران بمعزل عن أسلوب إسرائيل التقليدي في الحروب الاستباقية، فمنذ حرب الأيام الستة عام 1967، اعتمدت إسرائيل على الضربات المفاجئة لكسر قدرة خصومها على التعبئة قبل أن تتحرّك قواتها. اليوم، مع مشاركة الولايات المتحدة، تتكرر هذه الاستراتيجية في طهران، لكنها تواجه عمقاً استراتيجياً مختلفاً.

لا يمكن النظر لإيران كهدف جغرافي محدود؛ هي دولة تمتلك أذرعاً تمتد من بيروت مروراً ببغداد وانتهاءً في صنعاء، وهذا يجعل الضربات الحالية بداية لمسار طويل من الردود المحتملة، آخرها استهداف منشآت الغاز في منطقة «عسلوية»، وهي واحدة من أهم العقد الطاقوية في إيران، إضافة إلى حقل «بارس الجنوبي»، أكبر حقل غاز في العالم، وهو ملكية مشتركة بين إيران وقطر، حيث يسمى في الدوحة «حقل الشمال».

هذه الخطوة تُعدّ توسّعاً خطيراً في بنك الأهداف، ليشمل عصب الاقتصاد الإيراني، وتفتح الباب أمام سيناريو «حرب الطاقة» في الشرق الأوسط.

الهدف المعلن للضربات هو منع إيران من تطوير قدراتها النووية والصاروخية، بينما الهدف الفعلي يتمثّل في فرض معادلة ردع جديدة على حساب إيران. الأدلة على ذلك ظهرت عندما شملت الضربات الأمريكية والإسرائيلية منشآت إيرانية حساسة، وأدت إلى تصعيد ملموس في الخليج والعراق والأردن، حيث تعترض دول المنطقة الصواريخ الإيرانية بشكل يومي، الأمر الذي أقحم دول المنطقة جبراً في دائرة الصراع.

امتداد الصراع إلى الجوار الإقليمي

في هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد أن إيران لم يعد لديها أي خيار آخر سوى الدفاع عن نفسها، فالحرب بالنسبة لطهران اليوم هي حرب وجودية، وخاصّة بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قاد إيران لأكثر من 35 عاماً، وهو الركيزة المركزية للقرار الإيراني، لتستمر سلسلة الاغتيالات لتطال شخصيتين بارزتين في رأس هرم السلطة الإيرانية؛ علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، والعميد غلام رضا سليماني، قائد منظمة «باسيج» التابعة للحرس الثوري الإيراني.

 ومع ذلك فإن المشهد يظل غير واضح إلى حد كبير، إذ يبدو أن الصف الأول من القيادات قد استهدف، ما يفتح المجال أمام سيناريوهات متعددة للرد الإيراني، ويزيد من التعقيد في تقدير ردود الفعل الإيرانية القادمة.

وهنا يُطرح السؤال: إذا كان الرجل الأول في الجمهورية الإسلامية ومعه قيادات الصف الأول قد استهدفت، فما هو حجم الاختراق الذي وصلت إليه الأجهزة الأمريكية - الإسرائيلية لتصفية ما تبقى من قيادات سياسية وأمنية وعسكرية، وعلى رأسهم المرشد الجديد مُجتبى خامنئي؟

الدرس التاريخي واضح، حيث كل ضربة استباقية إسرائيلية واجهت مقاومة غير متوقّعة وتكبّدت أثماناً سياسية وعسكرية. الرد الإيراني لم يقتصر على عمليات محدودة، بل امتد إلى تحريك بعض أذرعه في العراق ولبنان، وهي تضرب الآن بتنسيق إيراني، الأهداف التي تعتبرها طهران جزءاً من منظومة الدعم الأمريكي - الإسرائيلي، ما يرفع احتمال تحوّل العمليات إلى مواجهة أشمل بعد إغلاق مضيق هرمز، ونداءات ترامب إلى دول الناتو للتحرّك نحو المضيق والتي ارتدت إليه على غير توقّعه.

العدوان على إيران أظهر بالفعل أن أي مواجهة لن تبقى بين طرفين فحسب، فاستهداف العراق والأردن، ودول الخليج، يمّثل دليلًا واضحاً على أن الصراع قد يمتد بسرعة إلى مساحة أوسع. هذا يعكس استراتيجية إسرائيل والولايات المتحدة في استخدام الضربات لإرسال رسائل ردع، لكنها في الوقت ذاته تضع علاقة دول المنطقة مع إيران على المحك، وأمام اختبار لصبرها على تلقّي الضربات الإيرانية لحساب النفوذ الأمريكي والغربي، وسط تهديدات تتجاوز الاقتصاد الوطني والعالمي، في هذه الحرب التي تحوّلت إلى حرب طاقة.

الردع الإيراني ومعادلة القوة الاستراتيجية

الضربات الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران جعلت كل منشأة أمريكية أو إسرائيلية في المنطقة هدفاً محتملاً إيرانياً، حتى لو لم تُستخدم في الهجوم، فمجرّد الوجود يعني إدراجها ضمن حسابات الرد الإيراني. وفي هذا الإطار، يصبح التفريق بين الاستضافة والانخراط غير مجدٍ؛ كل عنصر يُساهم في القدرة العسكرية يعتبر هدفاً ضمن معادلة القوة.

الرسالة الواضحة أن الأمن القومي لدول المنطقة، وحتى المصالح الأمريكية أصبحت مهددة. الحرب العبثية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران تُظهر بجلاء أن المواجهة آخذة بالتوسّع وستضع المنطقة أمام اختبار صعب للتوازن الاستراتيجي. التاريخ يعلمنا أن الضربات الاستباقية لم تخلق أبداً أمناً، بل ولّدت سلسلة ردود فعل طويلة الأمد ومتعددة الأبعاد، إن لم تكن عسكرية فستبقى سياسية.

أي صراع مفتوح على إيران سيترك جميع الأطراف - بما فيها الدول التي لم تشارك - رهينة لمعادلة قوة متشابكة بين تهديد فوري وردود طويلة المدى.

في النهاية، ما يزيد من خطورة هذا العدوان عن غيره من النزاعات السابقة هو أن الدروس التاريخية تحذّر من الانزلاق إلى حرب شاملة، هذا لأن السؤال الآن بات مطروحاً، ماذا لو أقبلت الدول الخليجية والعراق والأردن على الرد على الصواريخ الإيرانية التي استهدفتهم؟ ماذا لو أذعنت دول الناتو لطلب ترامب بالمشاركة في مضيق هرمز؟

استهداف إيران يُعتبر بداية لاختبار معقد للقوة والتحالفات، حيث تتحرّك دول المنطقة في دائرة الاستهداف، والرد الإيراني سيعيد رسم معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة بالكامل، مع التأكيد أن إيران تخوض حرباً وجودية للدفاع عن نفسها، تزامناً مع مشاركة بعض دول أوروبية بشكل غير مباشر واحتمالية توسّع رقعة الحرب لتصبح شريكة صريحة فيها، ما سيرفع الكلفة في جميع الأصعدة، وبعضه لا يمكن تعويضه، حيث قد يؤول الحياد جبراً وبظل مواصلة العدوان الأمريكي - الإسرائيلي إلى اصطفاف غير محسوب.

وكُلّ عام وأنتم والأمّة الإسلامية والعربية بخير

Ahmad.omari11@yahoo.de

الاثنين، 23 فبراير 2026

رفع سن التقاعد بين الاستدامة والعدالة/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

رفع سن التقاعد بين الاستدامة والعدالة

 



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

يشهد النظام التقاعدي الأردني نقاشاً حول رفع سن التقاعد كإحدى الأدوات المقترحة لتعزيز استدامة صندوق الضمان الاجتماعي في ظل تزايد أعداد المتقاعدين وتغيّر البنية الديموغرافية. ويستند هذا الطرح إلى اعتبارات مالية واكتوارية تهدف إلى إطالة فترة الاشتراك وتقليص مدة صرف المعاش، بما يحافظ على التوازن بين الإيرادات والالتزامات المستقبلية.

غير أن أي إصلاح في سن التقاعد لا يمكن النظر إليه بمعزل عن مبدأين أساسيين يحكمان أنظمة التأمينات الاجتماعية: الاستدامة الاكتوارية والعدالة التأمينية.

الإطار القانوني والعدالة التأمينية

يقوم نظام الضمان الاجتماعي في جوهره على مبدأ مهني، وهو التناسب بين الاشتراك والمنفعة، فالمعاش التقاعدي يُحتسب وفق معادلة قانونية تعتمد على عدد سنوات الاشتراك، ومتوسّط الأجر الخاضع للاقتطاع، ونوع التقاعد (شيخوخة، مبكر، عجز)، وبالتالي فإن التفاوت في مستويات المعاشات يعكس فروقات فعلية في المسار الوظيفي والاشتراكات.

هذا الفهم ضروري عند مناقشة مسألة تفاوت المعاشات أو وجود معاشات مرتفعة لفئات محدودة، فالعدالة في أنظمة التأمين لا تعني مساواة رقمية بين جميع المتقاعدين، بل تعني تحقيق توازن منضبط بين ما دُفع خلال سنوات العمل وما يُستحق عند التقاعد، ضمن السقف القانوني المعتمد.

المعاشات المرتفعة والتمييز التشريعي

أشارت تقارير صحفية إلى أن فئات محدودة تتقاضى مبالغ تقاعدية مرتفعة، حيث طُرحت أرقام تراوحت بين نحو 11 مليون دينار سنوياً لحوالي 190 مستفيداً، وصولاً إلى تقديرات غير رسمية تقارب 20 مليون دينار سنويًا لذات اللفئة.

 هذه الأرقام، بصرف النظر عن دقتها التفصيلية، تفتح نقاشاً مشروعاً حول توزيع المنافع. غير أن التناول المهني يقتضي التفريق بين ما يُصرف ضمن أحكام قانون الضمان الاجتماعي العام، وبين أنظمة تقاعد خاصّة أو ترتيبات تشريعية منفصلة قد تخضع لقوانين أخرى.

الاستدامة الاكتوارية ورفع سن التقاعد

من منظور اكتواري، لا يُقاس استقرار النظام بواقعه الحالي فقط، بل بقدرته على الوفاء بالتزاماته طويلة الأجل. وهنا يبرز مفهوم التوازن الاكتواري، الذي يعني قدرة الاشتراكات والعوائد الاستثمارية على تغطية الالتزامات التقاعدية المستقبلية.

تُظهر الدراسات الاكتوارية عادة توقعات تمتد لعقود، وتُحدّد ما يُعرف بـ «نقطة التعادل»، وهي المرحلة التي قد تبدأ فيها الالتزامات المتوقّعة بتجاوز الإيرادات إن لم تُتخذ إجراءات تصحيحية، كما تقيس هذه الدراسات حجم ما يُسمّى بـ «الفجوة التمويلية المستقبلية»، أي الفرق بين الموارد المتوقّعة والالتزامات المقدّرة على المدى البعيد.

في هذا السياق، يُعد رفع سن التقاعد إحدى الأدوات الممكنة لمعالجة اختلال محتمل في التوازن، من خلال زيادة سنوات الاشتراك وتقليل سنوات الاستفادة.

الدخل التقاعدي في الواقع الأردني

تشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من نصف المتقاعدين الأردنيين يتقاضون معاشات تتراوح بين 200 و400 دينار شهريًا، مع وجود نسبة معتبرة تقل عن 300 دينار، ونسبة محدودة تتجاوز 1000 دينار. هذه المؤشرات تعكس وجود تفاوت واضح في مستويات الدخل التقاعدي، ضمن الإطار القانوني القائم.

هذا الواقع يفرض أن يُنظر إلى أي إصلاح مالي من زاوية مزدوجة: الحفاظ على الاستدامة من جهة، وضمان عدم تآكل القوة الشرائية للفئات ذات المعاشات المحدودة من جهة أخرى.

وفي السياق ذاته، يبرز سؤال مشروع حول العلاقة بين رفع سن التقاعد ومستويات البطالة. فمن الناحية النظرية، قد يؤدي بقاء الأفراد لفترة أطول في سوق العمل إلى إبطاء دوران الوظائف، ما قد ينعكس على فرص الداخلين الجدد إلى سوق العمل. غير أن معالجة البطالة لا تقع ضمن اختصاص مؤسّسة الضمان الاجتماعي وحدها، إذ إن خلق فرص العمل وتحفيز التشغيل مسؤولية منظومة حكومية أوسع تشمل سياسات سوق العمل، وبرامج التدريب والتأهيل، والاستثمار، والتنمية الاقتصادية.

المقارنة الدولية بالنظم ذات الخصوصية

في الأردن، تؤثّر هذه العوامل على قاعدة المشتركين وحجم الاشتراكات، وبالتالي على قدرة الصندوق التمويلية. وعليه، فإن استلهام التجارب الدولية يجب أن يتم من زاوية الآليات والإصلاحات الفنية، لا من زاوية إسقاط مستويات المنافع أو معايير دول ذات قدرات اقتصادية مختلفة جذريًا.

في العديد من الدول، تُنظّم الفئات ذات القواعد التقاعدية الخاصّة ضمن أطر منفصلة أو بآليات تمويل متميّزة، بحيث لا يتحمّل الصندوق العام أعباء لا تتناسب مع طبيعة اشتراكاته. وفي السياق الأردني، يُشار إلى وجود فئات ذات ترتيبات خاصّة مثل الوزراء، الموظفين بالدرجة الخاصّة، الدبلوماسيين، الأطباء والمحامين، في مقابل القاعدة الأوسع من العاملين ضمن النظام العام، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص الذين يملكون حق الاشتراك وفق أحكام القانون.

أي نقاش إصلاحي مستقبلي يمكن أن يستفيد من مراجعة تنظيم هذه الترتيبات بما يحافظ على التوازن المالي ويعزز الشعور بالعدالة المؤسسية.

إطار التوصيات

لا ينبغي أن يكون رفع سن التقاعد هو الهدف، بل يجب أن يكون أداة ضمن حزمة إصلاحات محتملة تستند إلى نتائج الدراسات الاكتوارية والقراءة الدقيقة للواقع الاقتصادي، كما أن نجاح أي تعديل يُفترض أن لا يعتمد على مضمونه المالي وحده، بل على آلية تطبيقه ومدى مراعاته للتدرّج والعدالة الانتقالية، بما يحفظ الثقة بين المشتركين والنظام التأميني.

الإصلاح المستدام هو الذي يُبنى على البيانات، ويوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، ويتطلّب تنسيقاً مؤسّسياً أوسع من تعديل سن التقاعد بحد ذاته.

Ahmad.omari11@yahoo.de

الثلاثاء، 27 يناير 2026

العالم أمام مرآته المكسورة/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

العالم أمام مرآته المكسورة



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

ثمّة لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى كثرة الشواهد بقدر ما تحتاج إلى شجاعة التفاعل؛ لحظات تتراكم فيها الوقائع حتى لا يعود الصمت حيادا، ولا اللغة التوصيفية موقفا.

هذا النص هو محاولة لوضع العالم في مكانه وأمام مرآته المكسورة.

العالم كما هو لا كما يرغب أن يُروى

إذا أردنا أن نقرأ المشهد العالمي قراءة واعية لا تخضع للتخدير السياسي ولا للمفردات المعلّبة التسويقية، فعلينا أن نضع الوقائع كلّها على الطاولة دفعة واحدة، دون انتقاء عصبي أو ترتيب انتهازي: فلسطين بشقّيها غزّة والضفة الغربية، السودان، اليمن، سوريا، لبنان، أوكرانيا، إيران. وفي مقابل هذه الجغرافيات المنكوبة تقف إسرائيل وروسيا كقوتين معتديتين واضحتين، فيما تتصدّر الولايات المتحدة المشهد بوصفها الشريك الأكبر في هندسة هذا العالم، لا كقوة ضابطة، بل بوصفها راعٍ فعلي لمنظومة العنف والحرب.

ثمّة لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى كثرة الشواهد بقدر ما تحتاج إلى شجاعة التفاعل؛ لحظات تتراكم فيها الوقائع حتى لا يعود الصمت حيادا، ولا اللغة التوصيفية موقفا.

ترويج الإبادة كسياسة

في هذا السياق، لا جدال في أن فلسطين تحتل الموقع الأثقل أخلاقياً وإنسانياً، ففي غزّة، لا نواجه كارثة طبيعية، بل جريمة مكتملة الأركان؛ إبادة جماعية تُدار بوعي كامل: قتل بالقصف والتجويع والحصار، وتجفيف للماء ومنع الدواء، وتعريض متعمّد للبرد القارس، وترك شعب بأكمله لمصير الفناء الممنهج.

أمّا الضفة الغربية، فهي الوجه الآخر للجريمة ذاتها؛ جريمة أقل ضجيجاً وأكثر مكراً، تقوم على القتل البطيء، وسلب الأرض ومحاولة لمحو الذاكرة تحت غطاء قانوني دولي. وفي الحالتين، لا يمكن فصل الفعل الإسرائيلي عن الشراكة الأمريكية، التي توفّر السلاح والشرعية السياسية.

ضحايا بلا غطاء سياسي

يأتي السودان في المرتبة التالية بوصفه دولة تُستنزف بالحرب عبر أذرع خارجية، في مقدّمتها دعم إماراتي واضح للميليشيات، بما يسرّع انهيار الدولة ويفتح الباب أمام الفوضى. ويجري كل ذلك تحت نظر العالم، لأن الدم السوداني لا يشكّل أولوية في حسابات المصالح.

وفي اليمن وسوريا ولبنان، يتواصل الاستهداف الإسرائيلي منذ سنوات، وقد تحوّل الإنسان هناك إلى رقم، والخراب إلى مشهد اعتيادي؛ مدن تُسوّى بالأرض وأجيال لا تُولد، فيما يقف النظام الدولي متفرّجاً، يُصدر بيانات القلق ويغلق ملفات المساءلة.

على الضفّة الأخرى، تبدو أوكرانيا مثالاً فاضحاً لازدواجية المعايير المقرفة؛ هناك، يتحرّك الضمير الغربي بسرعة وحسم: دعم مفتوح، خطابات مقرونة بعقوبات خانقة ضد روسيا بوصفها قوة معتدية.

هذا الموقف، من حيث المبدأ، ليس موضع اعتراض، إنما الفضيحة تكمن في غياب المعيار نفسه حين يكون المعتدي حليفاً، وحين تكون الضحية سمراء أو عربية.

من الشراكة في الإبادة إلى منطق الغلبة

غير أن الصورة لا تكتمل دون التوقّف عند السلوك الأمريكي العنجهي، والذي بات أكثر فجاجة وأقل دبلوماسية، فالولايات المتحدة، شريك إسرائيل الأول، لم تعد تُخفي نزعتها القسرية في التعامل مع العالم؛ من التهديد العلني لقادة دول في أمريكا اللاتينية، كما هو الحال باختطاف «نيكولاس مادورو»، في استعادة صريحة لزمن الانقلابات المُدارة من الخارج.

والأكثر دلالة هو ما يجري اليوم بشأن «غرينلاند»، فالرغبة الأمريكية في بسط السيطرة عليها لم تعد تُغلّف بخطاب التعاون أو الشراكة، بل تُطرح كحقّ قوة.

المثير هنا هو ردّة الفعل الأوروبية: خطاب ليّن، حذر، أقرب إلى التبرير منه إلى الرفض، وكأن العواصم الأوروبية وجدت نفسها أمام حقيقة مُرّة: الحليف الذي طالما بشّر بالقانون الدولي لا يتردّد في تجاوزه حين يتعارض مع أطماعه.

وهنا تتبدّى مفارقة أعمق، فالدول الأوروبية التي شاركت في شرعنة الظلم الواقع على الفلسطينيين، وقدّمته تحت مسمّى الشراكة والتحالف والدفاع عن النفس، تجد نفسها اليوم في مواجهة الظلم ذاته وقد ارتدّ عليها من حيث لا تحتسب، فالمنطق الذي سُوّغ به قتل الفلسطيني، هو نفسه المنطق الذي تُسوّغ به اليوم الهيمنة الأمريكية على أوروبا.

إنه ديدن السنن الكونية: الظلم لا وطن له، ومن يعتده أداة سياسية، سيتحوّل يوماً إلى ضحيته.

إيران نموذجاً

وإذا كان الظلم يُمارس صريحاً أو بالوكالة على الفلسطينيين والسودانيين ...الخ، فإن أوروبا وأمريكا يجسّدان اليوم نموذجاً فاضحاً من الكيل بمكيالين في إيران. فبينما تُلوّح واشنطن بتدخّل عسكري لحماية المدنيين، ويصدر خطابها على أنه دفاع عن حقوق الإنسان، تستمر في قتل المدنيين عبر الحروب بالوكالة في فلسطين والسودان واليمن ولبنان.

من غزّة إلى الخرطوم، ومن صنعاء إلى كييف، ومن بيروت إلى «كراكاس» وصولاً إلى غرينلاند وسوريا، تتكشّف صورة واحدة: عالم يُدار بمنطق الغلبة، تُعاد فيه صياغة الاحتلال بوصفه وصاية، وتُبرَّر الإبادة بوصفها دفاعاً، ويُطالَب الضحايا بالخنوع كي لا يوصفون بالإرهاب.

سنن الظلم والعدالة

إن ما يجري اليوم هو كشف صريح لمسار البشرية: الحق لا يُحتكر، والظلم لا يدوم؛ ومن يضعف أمام القهر اليوم سيكتشف غداً أن السنن التاريخية ثابتة: من يزرع العنف يجنيه، ومن يشتري القيم بالمصلحة يجد أن الحقيقة أقوى من كل التبريرات.

في النهاية، الزمن لا يرحم، والإنسانية لا تموت، مهما حاول القادرون على الأرض أن يطمسوها.

Ahmad.omari11@yahoo.de

الأربعاء، 14 يناير 2026

ضمّ الضفة الغربية الزاحف/أحمد سليمان العُمري


بسم الله الرحمن الرحيم

ضمّ الضفة الغربية الزاحف



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

لم تعد الضفة الغربية تُدار اليوم كمنطقة خاضعة لاحتلال قابل للتسوية، بل كفضاء يجري تفكيكه وإعادة تركيبه بما يخدم مشروع سيطرة طويلة الأمد.

فخلال السنوات الأخيرة، تسارعت إجراءات إسرائيلية متراكمة؛ من توسيع الاستيطان وتشريع وجوده، إلى تصعيد العنف المنظّم ضد السكان، والتحكّم بالمياه والحركة والموارد، بما يشير إلى انتقال هادئ لكنه مصيري من إدارة الاحتلال إلى حسمه ميدانياً. هذا التحول لا يُعلَن بقرار واحد، بل يُنفَّذ عبر سلسلة خطوات صغيرة، تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها تصب في اتجاه واحد: تثبيت الضفة الغربية كجزء خاضع للسيادة الإسرائيلية الفعلية، في ظل دعم أمريكي وصمت دولي متواطئ.

اليمين الإسرائيلي المتطرّف كثّف توظيف الخطاب الديني لتبرير مشروعه في الضفة الغربية، واصفاً إياها بـ «أرض الآباء والأنبياء». أهمية هذا الخطاب لا تكمن في بعده الرمزي فقط، بل في كونه يوفّر غطاءً أيديولوجياً لتحويل الاستيطان من سياسة حكومية قابلة للتبدل إلى «حق تاريخي» غير خاضع للتفاوض.

تصويت الكنيست على مشاريع قوانين تستهدف فرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، بالتوازي مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين يؤكدون إصرار تل أبيب على ضمّها، يعكس انتقال إسرائيل من منطق الاحتلال المؤقت إلى منطق السيادة الدائمة. هذا التحول يعني عملياً إعادة تعريف الضفة الغربية من «أرض فلسطينية» إلى «جزء من المجال السيادي الإسرائيلي»، في خرق صريح للقانون الدولي، لكن ضمن حسابات ترى أن غياب الردع الدولي يجعل كلفة الضّم أقل من كلفة التراجع.

الأيديولوجيا الدينية وتشريع السيطرة

اليمين الإسرائيلي المتطرّف كثّف توظيف الخطاب الديني لتبرير مشروعه في الضفة الغربية، واصفاً إياها بـ «أرض الآباء والأنبياء». أهمية هذا الخطاب لا تكمن في بعده الرمزي فقط، بل في كونه يوفّر غطاءً أيديولوجياً لتحويل الاستيطان من سياسة حكومية قابلة للتبدل إلى «حق تاريخي» غير خاضع للتفاوض.

ويعكس المزاج العام الإسرائيلي هذا التحول؛ إذ أظهرت استطلاعات رأي أُجريت مطلع عام 2025 أن غالبية الإسرائيليين يعارضون إقامة دولة فلسطينية، ويؤيدون فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة. هذا التحوّل الشعبي يفسّر جرأة الحكومات المتعاقبة، وأكثرها حكومة نتنياهو في الذهاب بعيداً في مشاريع الاستيطان والضّم، باعتبارها باتت منسجمة مع الرأي العام لا خارجة عنه.

استيطان متسارع وعنف ممنهج

تشير تقارير رسمية وحقوقية إلى أن المستوطنين سيطروا على مئات الآلاف من الدونمات الزراعية والرعوية في الضفة الغربية، عبر العنف وفرض الأمر الواقع، لا سيما في المناطق المصنفة (ج).

هذه السيطرة لا تهدف فقط إلى التوسّع الجغرافي، بل إلى تفكيك العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، وتحويل الوجود الفلسطيني إلى حالة مؤقتة قابلة للإزالة.

كما أقام المستوطنون أكثر من 70 بؤرة رعوية بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومنتصف عام 2025، وهي أداة استيطانية منخفضة الكلفة وسريعة التأثير، تُستخدم لإحكام السيطرة على مساحات واسعة دون الحاجة إلى قرارات رسمية معلنة.

هذه السيطرة لا تهدف فقط إلى التوسّع الجغرافي، بل إلى تفكيك العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، وتحويل الوجود الفلسطيني إلى حالة مؤقتة قابلة للإزالة.

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وثّقت كذلك نحو 450 حريقاً أشعلها المستوطنون، طالت في 70% من الحالات تجمعات بدوية وقرى فلسطينية. ووفق منظمات أممية، كان عام 2024 الأسوأ من حيث إرهاب وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، فيما لم يكن عام 2025 أفضل حالا.

هذه الأرقام لا تعكس فقط تصاعد العنف، بل تحوّله إلى سياسة ترهيب ونهج يهدف إلى التهجير بالاضطهاد بدل الطرد العلني.

أدوات خنق المجتمع

منظمة «أوتشا» وثّقت 71 اعتداءً نفّذها الاحتلال الإسرائيلي على مصادر المياه في الضفة الغربية مع دخول عام 2024، إضافة إلى 64 اعتداءً آخر خلال عام 2024 وحده. استهداف المياه هنا ليس من باب الصدفة بالتنكيل، إنما أداة استراتيجية لإخضاع السكان، إذ تتحول السيطرة على الموارد الحيوية إلى وسيلة لإعادة هندسة الجغرافيا الديموغرافية.

في موازاة ذلك، تُشكّل سياسة الاعتقال ركيزة أساسية في الضمّ الزاحف، فبحسب مؤسسات حقوقية فلسطينية، نفّذت قوات الاحتلال منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 21 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية، من بينهم 1955 طفلا و650 امرأة.

هذا الحجم من الاعتقالات لا يمكن فصله عن محاولة كسر المجتمع، وتفريغه من قدرته على التنظيم والمقاومة.

الضفة تحت الحصار المفتوح

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أكد أن زيادة الخسائر البشرية، إلى جانب تقييد الحركة والعمل، أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية في الضفة الغربية، حيث يعيش نحو 3.43 مليون فلسطيني. وفي هذا السياق، أفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأن إسرائيل نصبت 916 بوابة وحاجزا وجدارا في الضفة منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزّة، ما يحوّل الضفة إلى كانتونات معزولة، ويجعل أي مشروع للدولة الفلسطينية المستقبلية بلا معنى سيادي.

هذا التزامن يعكس رؤية إسرائيلية ترى في انشغال العالم بغزّة وزخم الأحداث فرصة لتصفية ملف الضفة بوتيرة متسارعة ومنظمة.

يترافق هذا المسار مع دعم أمريكي سياسي واضح وغير مشروط، بالتوازي مع حرب الإبادة التي يشُنّها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزّة، والتي أقرّت تقارير صادرة عن هيئات أممية بأنها إبادة جماعية.

هذا التزامن يعكس رؤية إسرائيلية ترى في انشغال العالم بغزّة وزخم الأحداث فرصة لتصفية ملف الضفة بوتيرة متسارعة ومنظمة.

مشروع استنزاف

ما يجري في الضفة الغربية هو مشروع ضمّ متكامل يُنفَّذ بالتدرّج، ويعتمد على استنزاف الزمن والإنسان معاّ.

في ظل هذا الواقع، لا يبدو أن الخطر يكمن في إفشال حل الدولتين فحسب، بل في تكريس نظام فصل عنصري طويل الأمد، تُدار فيه السيطرة لا عبر الاحتلال العسكري وحده، بل من خلال إعادة تشكيل الحياة نفسها.

Ahmad.omari11@yahoo.de

Back to top ↑

كلمات من العمري

في بداية خطابي أشكر زائريّ ممن بحث عني بأسمي أو دخل منزلي صدفة فراق له البقاء. وجزيل شكري لكل أصدقائي وأحبتي ممن يعملوا في الخفاء لنشر كلماتي دون تقديم أشخاصهم، إيمانهم بها أو بي وإن زل قلمي حيناً يقينهم إذعانَ قلبي وعقلي لها. لقد ترددت كثيرا قبل أن أفتح هذا الباب الذي عمل عليه صديقي الأستاذ أنس عمرو وصديقي الدكتور ضياء الزعبي - جزاه الله كل الخير- ولم يتركني حتى كَمُل على وجه رضيناه للأخوة القراء الكرام ... المزيد
كن على تواصل واتصال معنا

© 2018 أحمد سليمان العمري.
Design By: Hebron Portal - Anas Amro .