الأربعاء، 14 يناير 2026

ضمّ الضفة الغربية الزاحف/أحمد سليمان العُمري


بسم الله الرحمن الرحيم

ضمّ الضفة الغربية الزاحف



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

لم تعد الضفة الغربية تُدار اليوم كمنطقة خاضعة لاحتلال قابل للتسوية، بل كفضاء يجري تفكيكه وإعادة تركيبه بما يخدم مشروع سيطرة طويلة الأمد.

فخلال السنوات الأخيرة، تسارعت إجراءات إسرائيلية متراكمة؛ من توسيع الاستيطان وتشريع وجوده، إلى تصعيد العنف المنظّم ضد السكان، والتحكّم بالمياه والحركة والموارد، بما يشير إلى انتقال هادئ لكنه مصيري من إدارة الاحتلال إلى حسمه ميدانياً. هذا التحول لا يُعلَن بقرار واحد، بل يُنفَّذ عبر سلسلة خطوات صغيرة، تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها تصب في اتجاه واحد: تثبيت الضفة الغربية كجزء خاضع للسيادة الإسرائيلية الفعلية، في ظل دعم أمريكي وصمت دولي متواطئ.

اليمين الإسرائيلي المتطرّف كثّف توظيف الخطاب الديني لتبرير مشروعه في الضفة الغربية، واصفاً إياها بـ «أرض الآباء والأنبياء». أهمية هذا الخطاب لا تكمن في بعده الرمزي فقط، بل في كونه يوفّر غطاءً أيديولوجياً لتحويل الاستيطان من سياسة حكومية قابلة للتبدل إلى «حق تاريخي» غير خاضع للتفاوض.

تصويت الكنيست على مشاريع قوانين تستهدف فرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، بالتوازي مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين يؤكدون إصرار تل أبيب على ضمّها، يعكس انتقال إسرائيل من منطق الاحتلال المؤقت إلى منطق السيادة الدائمة. هذا التحول يعني عملياً إعادة تعريف الضفة الغربية من «أرض فلسطينية» إلى «جزء من المجال السيادي الإسرائيلي»، في خرق صريح للقانون الدولي، لكن ضمن حسابات ترى أن غياب الردع الدولي يجعل كلفة الضّم أقل من كلفة التراجع.

الأيديولوجيا الدينية وتشريع السيطرة

اليمين الإسرائيلي المتطرّف كثّف توظيف الخطاب الديني لتبرير مشروعه في الضفة الغربية، واصفاً إياها بـ «أرض الآباء والأنبياء». أهمية هذا الخطاب لا تكمن في بعده الرمزي فقط، بل في كونه يوفّر غطاءً أيديولوجياً لتحويل الاستيطان من سياسة حكومية قابلة للتبدل إلى «حق تاريخي» غير خاضع للتفاوض.

ويعكس المزاج العام الإسرائيلي هذا التحول؛ إذ أظهرت استطلاعات رأي أُجريت مطلع عام 2025 أن غالبية الإسرائيليين يعارضون إقامة دولة فلسطينية، ويؤيدون فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة. هذا التحوّل الشعبي يفسّر جرأة الحكومات المتعاقبة، وأكثرها حكومة نتنياهو في الذهاب بعيداً في مشاريع الاستيطان والضّم، باعتبارها باتت منسجمة مع الرأي العام لا خارجة عنه.

استيطان متسارع وعنف ممنهج

تشير تقارير رسمية وحقوقية إلى أن المستوطنين سيطروا على مئات الآلاف من الدونمات الزراعية والرعوية في الضفة الغربية، عبر العنف وفرض الأمر الواقع، لا سيما في المناطق المصنفة (ج).

هذه السيطرة لا تهدف فقط إلى التوسّع الجغرافي، بل إلى تفكيك العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، وتحويل الوجود الفلسطيني إلى حالة مؤقتة قابلة للإزالة.

كما أقام المستوطنون أكثر من 70 بؤرة رعوية بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومنتصف عام 2025، وهي أداة استيطانية منخفضة الكلفة وسريعة التأثير، تُستخدم لإحكام السيطرة على مساحات واسعة دون الحاجة إلى قرارات رسمية معلنة.

هذه السيطرة لا تهدف فقط إلى التوسّع الجغرافي، بل إلى تفكيك العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، وتحويل الوجود الفلسطيني إلى حالة مؤقتة قابلة للإزالة.

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وثّقت كذلك نحو 450 حريقاً أشعلها المستوطنون، طالت في 70% من الحالات تجمعات بدوية وقرى فلسطينية. ووفق منظمات أممية، كان عام 2024 الأسوأ من حيث إرهاب وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، فيما لم يكن عام 2025 أفضل حالا.

هذه الأرقام لا تعكس فقط تصاعد العنف، بل تحوّله إلى سياسة ترهيب ونهج يهدف إلى التهجير بالاضطهاد بدل الطرد العلني.

أدوات خنق المجتمع

منظمة «أوتشا» وثّقت 71 اعتداءً نفّذها الاحتلال الإسرائيلي على مصادر المياه في الضفة الغربية مع دخول عام 2024، إضافة إلى 64 اعتداءً آخر خلال عام 2024 وحده. استهداف المياه هنا ليس من باب الصدفة بالتنكيل، إنما أداة استراتيجية لإخضاع السكان، إذ تتحول السيطرة على الموارد الحيوية إلى وسيلة لإعادة هندسة الجغرافيا الديموغرافية.

في موازاة ذلك، تُشكّل سياسة الاعتقال ركيزة أساسية في الضمّ الزاحف، فبحسب مؤسسات حقوقية فلسطينية، نفّذت قوات الاحتلال منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 21 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية، من بينهم 1955 طفلا و650 امرأة.

هذا الحجم من الاعتقالات لا يمكن فصله عن محاولة كسر المجتمع، وتفريغه من قدرته على التنظيم والمقاومة.

الضفة تحت الحصار المفتوح

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أكد أن زيادة الخسائر البشرية، إلى جانب تقييد الحركة والعمل، أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية في الضفة الغربية، حيث يعيش نحو 3.43 مليون فلسطيني. وفي هذا السياق، أفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأن إسرائيل نصبت 916 بوابة وحاجزا وجدارا في الضفة منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزّة، ما يحوّل الضفة إلى كانتونات معزولة، ويجعل أي مشروع للدولة الفلسطينية المستقبلية بلا معنى سيادي.

هذا التزامن يعكس رؤية إسرائيلية ترى في انشغال العالم بغزّة وزخم الأحداث فرصة لتصفية ملف الضفة بوتيرة متسارعة ومنظمة.

يترافق هذا المسار مع دعم أمريكي سياسي واضح وغير مشروط، بالتوازي مع حرب الإبادة التي يشُنّها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزّة، والتي أقرّت تقارير صادرة عن هيئات أممية بأنها إبادة جماعية.

هذا التزامن يعكس رؤية إسرائيلية ترى في انشغال العالم بغزّة وزخم الأحداث فرصة لتصفية ملف الضفة بوتيرة متسارعة ومنظمة.

مشروع استنزاف

ما يجري في الضفة الغربية هو مشروع ضمّ متكامل يُنفَّذ بالتدرّج، ويعتمد على استنزاف الزمن والإنسان معاّ.

في ظل هذا الواقع، لا يبدو أن الخطر يكمن في إفشال حل الدولتين فحسب، بل في تكريس نظام فصل عنصري طويل الأمد، تُدار فيه السيطرة لا عبر الاحتلال العسكري وحده، بل من خلال إعادة تشكيل الحياة نفسها.

Ahmad.omari11@yahoo.de

معلومات كاتب الموضوع

يتم هنا كتابة نبذه مختصره عن كاتب الموضوع.
شاهد جميع موضوعاتي: أحمد سليمان العمري

0 Comments:

شكرا لك على التعليق ... دمتم بود (أحمد العمري)

Back to top ↑

كلمات من العمري

في بداية خطابي أشكر زائريّ ممن بحث عني بأسمي أو دخل منزلي صدفة فراق له البقاء. وجزيل شكري لكل أصدقائي وأحبتي ممن يعملوا في الخفاء لنشر كلماتي دون تقديم أشخاصهم، إيمانهم بها أو بي وإن زل قلمي حيناً يقينهم إذعانَ قلبي وعقلي لها. لقد ترددت كثيرا قبل أن أفتح هذا الباب الذي عمل عليه صديقي الأستاذ أنس عمرو وصديقي الدكتور ضياء الزعبي - جزاه الله كل الخير- ولم يتركني حتى كَمُل على وجه رضيناه للأخوة القراء الكرام ... المزيد
كن على تواصل واتصال معنا

© 2018 أحمد سليمان العمري.
Design By: Hebron Portal - Anas Amro .