‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة عامة، اقتصاد اجتماعي، اقتصاد، تشريعات أمنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة عامة، اقتصاد اجتماعي، اقتصاد، تشريعات أمنية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 23 فبراير 2026

رفع سن التقاعد بين الاستدامة والعدالة/أحمد سليمان العُمري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

رفع سن التقاعد بين الاستدامة والعدالة

 



دوسلدورف/أحمد سليمان العُمري

يشهد النظام التقاعدي الأردني نقاشاً حول رفع سن التقاعد كإحدى الأدوات المقترحة لتعزيز استدامة صندوق الضمان الاجتماعي في ظل تزايد أعداد المتقاعدين وتغيّر البنية الديموغرافية. ويستند هذا الطرح إلى اعتبارات مالية واكتوارية تهدف إلى إطالة فترة الاشتراك وتقليص مدة صرف المعاش، بما يحافظ على التوازن بين الإيرادات والالتزامات المستقبلية.

غير أن أي إصلاح في سن التقاعد لا يمكن النظر إليه بمعزل عن مبدأين أساسيين يحكمان أنظمة التأمينات الاجتماعية: الاستدامة الاكتوارية والعدالة التأمينية.

الإطار القانوني والعدالة التأمينية

يقوم نظام الضمان الاجتماعي في جوهره على مبدأ مهني، وهو التناسب بين الاشتراك والمنفعة، فالمعاش التقاعدي يُحتسب وفق معادلة قانونية تعتمد على عدد سنوات الاشتراك، ومتوسّط الأجر الخاضع للاقتطاع، ونوع التقاعد (شيخوخة، مبكر، عجز)، وبالتالي فإن التفاوت في مستويات المعاشات يعكس فروقات فعلية في المسار الوظيفي والاشتراكات.

هذا الفهم ضروري عند مناقشة مسألة تفاوت المعاشات أو وجود معاشات مرتفعة لفئات محدودة، فالعدالة في أنظمة التأمين لا تعني مساواة رقمية بين جميع المتقاعدين، بل تعني تحقيق توازن منضبط بين ما دُفع خلال سنوات العمل وما يُستحق عند التقاعد، ضمن السقف القانوني المعتمد.

المعاشات المرتفعة والتمييز التشريعي

أشارت تقارير صحفية إلى أن فئات محدودة تتقاضى مبالغ تقاعدية مرتفعة، حيث طُرحت أرقام تراوحت بين نحو 11 مليون دينار سنوياً لحوالي 190 مستفيداً، وصولاً إلى تقديرات غير رسمية تقارب 20 مليون دينار سنويًا لذات اللفئة.

 هذه الأرقام، بصرف النظر عن دقتها التفصيلية، تفتح نقاشاً مشروعاً حول توزيع المنافع. غير أن التناول المهني يقتضي التفريق بين ما يُصرف ضمن أحكام قانون الضمان الاجتماعي العام، وبين أنظمة تقاعد خاصّة أو ترتيبات تشريعية منفصلة قد تخضع لقوانين أخرى.

الاستدامة الاكتوارية ورفع سن التقاعد

من منظور اكتواري، لا يُقاس استقرار النظام بواقعه الحالي فقط، بل بقدرته على الوفاء بالتزاماته طويلة الأجل. وهنا يبرز مفهوم التوازن الاكتواري، الذي يعني قدرة الاشتراكات والعوائد الاستثمارية على تغطية الالتزامات التقاعدية المستقبلية.

تُظهر الدراسات الاكتوارية عادة توقعات تمتد لعقود، وتُحدّد ما يُعرف بـ «نقطة التعادل»، وهي المرحلة التي قد تبدأ فيها الالتزامات المتوقّعة بتجاوز الإيرادات إن لم تُتخذ إجراءات تصحيحية، كما تقيس هذه الدراسات حجم ما يُسمّى بـ «الفجوة التمويلية المستقبلية»، أي الفرق بين الموارد المتوقّعة والالتزامات المقدّرة على المدى البعيد.

في هذا السياق، يُعد رفع سن التقاعد إحدى الأدوات الممكنة لمعالجة اختلال محتمل في التوازن، من خلال زيادة سنوات الاشتراك وتقليل سنوات الاستفادة.

الدخل التقاعدي في الواقع الأردني

تشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من نصف المتقاعدين الأردنيين يتقاضون معاشات تتراوح بين 200 و400 دينار شهريًا، مع وجود نسبة معتبرة تقل عن 300 دينار، ونسبة محدودة تتجاوز 1000 دينار. هذه المؤشرات تعكس وجود تفاوت واضح في مستويات الدخل التقاعدي، ضمن الإطار القانوني القائم.

هذا الواقع يفرض أن يُنظر إلى أي إصلاح مالي من زاوية مزدوجة: الحفاظ على الاستدامة من جهة، وضمان عدم تآكل القوة الشرائية للفئات ذات المعاشات المحدودة من جهة أخرى.

وفي السياق ذاته، يبرز سؤال مشروع حول العلاقة بين رفع سن التقاعد ومستويات البطالة. فمن الناحية النظرية، قد يؤدي بقاء الأفراد لفترة أطول في سوق العمل إلى إبطاء دوران الوظائف، ما قد ينعكس على فرص الداخلين الجدد إلى سوق العمل. غير أن معالجة البطالة لا تقع ضمن اختصاص مؤسّسة الضمان الاجتماعي وحدها، إذ إن خلق فرص العمل وتحفيز التشغيل مسؤولية منظومة حكومية أوسع تشمل سياسات سوق العمل، وبرامج التدريب والتأهيل، والاستثمار، والتنمية الاقتصادية.

المقارنة الدولية بالنظم ذات الخصوصية

في الأردن، تؤثّر هذه العوامل على قاعدة المشتركين وحجم الاشتراكات، وبالتالي على قدرة الصندوق التمويلية. وعليه، فإن استلهام التجارب الدولية يجب أن يتم من زاوية الآليات والإصلاحات الفنية، لا من زاوية إسقاط مستويات المنافع أو معايير دول ذات قدرات اقتصادية مختلفة جذريًا.

في العديد من الدول، تُنظّم الفئات ذات القواعد التقاعدية الخاصّة ضمن أطر منفصلة أو بآليات تمويل متميّزة، بحيث لا يتحمّل الصندوق العام أعباء لا تتناسب مع طبيعة اشتراكاته. وفي السياق الأردني، يُشار إلى وجود فئات ذات ترتيبات خاصّة مثل الوزراء، الموظفين بالدرجة الخاصّة، الدبلوماسيين، الأطباء والمحامين، في مقابل القاعدة الأوسع من العاملين ضمن النظام العام، بمن فيهم العاملون لحسابهم الخاص الذين يملكون حق الاشتراك وفق أحكام القانون.

أي نقاش إصلاحي مستقبلي يمكن أن يستفيد من مراجعة تنظيم هذه الترتيبات بما يحافظ على التوازن المالي ويعزز الشعور بالعدالة المؤسسية.

إطار التوصيات

لا ينبغي أن يكون رفع سن التقاعد هو الهدف، بل يجب أن يكون أداة ضمن حزمة إصلاحات محتملة تستند إلى نتائج الدراسات الاكتوارية والقراءة الدقيقة للواقع الاقتصادي، كما أن نجاح أي تعديل يُفترض أن لا يعتمد على مضمونه المالي وحده، بل على آلية تطبيقه ومدى مراعاته للتدرّج والعدالة الانتقالية، بما يحفظ الثقة بين المشتركين والنظام التأميني.

الإصلاح المستدام هو الذي يُبنى على البيانات، ويوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، ويتطلّب تنسيقاً مؤسّسياً أوسع من تعديل سن التقاعد بحد ذاته.

Ahmad.omari11@yahoo.de

Back to top ↑

كلمات من العمري

في بداية خطابي أشكر زائريّ ممن بحث عني بأسمي أو دخل منزلي صدفة فراق له البقاء. وجزيل شكري لكل أصدقائي وأحبتي ممن يعملوا في الخفاء لنشر كلماتي دون تقديم أشخاصهم، إيمانهم بها أو بي وإن زل قلمي حيناً يقينهم إذعانَ قلبي وعقلي لها. لقد ترددت كثيرا قبل أن أفتح هذا الباب الذي عمل عليه صديقي الأستاذ أنس عمرو وصديقي الدكتور ضياء الزعبي - جزاه الله كل الخير- ولم يتركني حتى كَمُل على وجه رضيناه للأخوة القراء الكرام ... المزيد
كن على تواصل واتصال معنا

© 2018 أحمد سليمان العمري.
Design By: Hebron Portal - Anas Amro .